أُمُّ اليُمنْ
يمَّمْتُ شطر الحزنِ يوماً..فيمَّمت كلُّ أيامي ورائي!
.
.

الياسمينة الأولى

 
                                     
 
أفتح صفحةً بيضاء لأكتبَ لك فيها نثراً يترقرق عبر شراييني متدفقا بجُلِّ ما أحمله من عواطفَ تجيش في روحي فتحييها بك..

لأكتب ما لم أعتده من أسلوبٍ عن "ولدي" هذا المسمّى الثقيل في أمانته الأزلية، الخفيفُ في روحه الهائمة بين جنبيَّ ومرآي وحياتي، فأرى أناي وما توجعه من أسماءٍ أكونها يتقلبُ في بعضي وأنا التي لم يكن مزاجها يوماً متقلباً

يعالج بحيويةٍ ما أريد بوحه، لمحيّاكَ الجميلِ، لروحك الكبيرة في جسدك الصغير

أيا ولدي، أيا ولدي أيا ولدي....

"و لو عِفتُ قلمي لملأ أسطراً وأوراقاً بك"؛؛؛

في تلك الأمسيةِ لم أكن لأعرف شكل الدنيا، ولم أكن لأحس بوطء الأرض تحت قدميَّ ولم يكن للهواء طعمٌ في صدري اللاهث، لتُولد من كل ذاك، في غمرة ألمي وتبتهج بك الدنيا مع بزوغ تباشير الفجرِ الأولى.. أسمع الأذان يتبعه صوتك الـ يضج بالحياةِ تمرداً ووجوداً..

مختلفاً بدأتَ أيامكَ

لستُ أدري أأنا أعلمكَ البُنوّةَ أم أنتَ تعلمني الأمومة؟!

كأنما عرفتُكَ منذ أزل، بهمسكَ أستيقظ، أُحاذي مهدكَ ليلاً، أتملاكَ، أُغطّيكَ، أضمكَ، أكلمكَ كأنما تفهمني "وأنت هكذا حقا" مذ كنت جنيناً، وأذنكَ تصغي لأمكَ، أراكَ تناغي في أيامكَ الأُوَل.. تضحكُ ناظراً ملائكتكَ مُصدراً أصواتا ما زلتَ للآنَ تعيدها إن أربكتك "تخريبة" ما..

أيا ولدي..

عامك الأول مشى بكَ، فاحتفلت به ماشياً مع جديكَ وجدتيكَ أدامهما الله وباقي العائلة حتماً..

احتفلت بنا ماشياً، متبختراً، وقلبي يتبخترُ بكَ شغفاً لرجُل سيكبرُ بإذنِ الله ويكون ما لم يكنه أحدٌ قبلاً..

فهل تُراها هذي الصفحة البيضاء ستأخذ ما أبغيهِ من قلمي، وأنا التي مازالت أوراقها صفراء كتاريخ أمتها، وأنا التي ما اعتدت غير الحزن أسطُرُهُ على ورقي تشرأبُ كوحلٍ فيه.. تكتبُ لطفلٍ يكون عنوان حياتها، ويكون وليدها..

عامٌ أول، وتستطردُ قريحتي تشريناً من الأمل، تسوقه بلهفةٍ إلى كل ما هو منشولٌ من آهات القلوب التي ما عرفت يوماً شكلاً لفرح، أيصيرُ الفرح بريقاً في عين "طفلي"؟ وكل الفرح هو؟!!

أيا أوراقي اغتسلي بماء الحُبِّ ولا تجفي

فقطراتُ الماء من أصابعكِ تروي جفاف حلقي

وتملأ أخاديد الروح المتشققة منذ قديم عهدٍ بزوارقَ للخلاصِ والرغد..

كوني عطراً، فها أنا الآن أصغرُ كثيراً وأعودُ طفلةً بجديلتينِ تعبرُ الطريق المؤدي إلى الوطن وتتنشقكِ بملء صدرها.. ياسميناً يتفتح في وجه حسان.. يرسم له الطريق أبيضاً كأنتِ..

 

الحسنى أسماء

1 تشرين الثاني 2009م

 

(2) تعليقات

أوّلُ القِطافْ

                          

بغمضةِ عينٍ قفزت من "لفتّكَ" البيضاء وبدأتَ تحبو في أرجاء بيتنا الصغير, تتمسكُ بأبيكَ وهو خارجٌ من المنزلِ باكياً تريد الذهاب معه, حتى صار يباغتكَ ليغادر كأنما يتخفّى من فعلةٍ ما, أو تمسكني وأنا أعد الطعامَ متسلقاً على قدميَّ تريد أن تسير بي إلى غرفتكَ فألعابكَ فأناشيدكَ على قناتكَ المفضلة..

كنتَ صغيراً جداً, ضاحكاً دوماً, روح الدعابةِ ولدَتْ بكَ.. في قسماتِ وجهكَ الملائكي, تخبر الجميعَ أنكَ هُنا "لاتهملوني فأنا موجود"؛ تُناغي إن عمّ الصمت المكان, وتنطلقُ حنجرتكَ بتغريدةٍ عذبةٍ إن لعب معك أحدهم أو سمعت صوتي أو صوت أبيك يناغيك..

وها أنتَ الآن بشهوركَ الأحد عشر تحاول أن تسير تاركاً التشبث بي, معتداً بنفسكَ, واثقاً, تقع.. وتعاود الكرَّةَ مجدداً حتى تنجح!..

وتتحول مناغاتكَ المحببة إلى محاولاتٍ لكلماتٍ مغممة تعيد ما تستطيع التقاطه من أقوال من حولكَ "بلغتكَ السنسكريتية" الجميلة..

تناديني "ماء" دون "ماما".. وكم أُحلِّقُ بحبكَ حين أسمعها "ماما" (بترقيق الميمِ) لحظة تريد أن ترضعَ أو تأكل أو تنام.. بطفولةٍ تزيد شغافَ قلبي لهفةً وشبقاً بكَ وإليك..

يا قطعةَ روحي

ها أنت تأخذ أسمائي.. تجعلها طفولية الملامح، تنقّيها من شوائب الحياةِ التي أرهقتها، وتزرعها بالكثير من الكلماتِ لتعودَ أُخرى.. ليست غريبةً كعادتها؛ بل أُمّاً؛ و.. تتلاقفُ المسمياتُ بعضها, فكلُّ شيءٍ بكَ يصير أجمل..

يا قطعة روحي .. لم أكن أعرف أني لأجلك سأكون ,  فلو كنتُ لأسرفتُ على نفسي لأرقى فيك أكثر!..

الحسنى أُمّك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
** تصوير بيان الصفدي 

(6) تعليقات

قلبٌ من وطنْ

 

"إلى أبي؛ حيث القلب ما زال يتسع بالكثير..

                                             مع محبتي"

 

في تلك الظهيرة لم أحاول أن أتذكر أشياء كثيرة

فيما الخفقان يعترك في قلبي

ويزيد توتر الوقت من أمامي

فألهث على إسفلتِ الشارع

أتقاطع مع ما تعبره السيارة من مسافة لأصل إليه

فأراهْ

ما استطعتُ لحظتها تخيل ما جرى..

خمنتُ فقداً

فاستطرتُ مني!

لم أكن بالتي تتقن رسم شكلها وهي تتأقلمُ مع ما سيكون..

كنتُ كالمفزوعةِ من كابوسٍ (حقيقيٍّ)

نفرَتْ مني حواسي حتى جحظت بشكلٍ يلمسه العيان

ولا أحسهُ أنا..

فلذتُ برضيعيَ الصغيرِ
أتشبث به من مجهولٍ يخنقني قبل أن أعرفه

كنت لا أريد أن أعرف شيئاً عما أحسسته

سوى أن أعرف كل شيءْ

...

في تلك الهنيهات العنيفة الخطى

مشوتُ أرتجي أملا

منهُ، إليهِ، بهِ

حيث لم يكن يوماً سوى أملْ

سألتُ روحي أسئلةً طويلةً

متقطعة الكلمات

متنافرة المعاني

لم أكن لأرتب حافظتي وقتها

حتى الآنَ... لا يأتيني استيعابٌ لما كان..

أفقتُ

إذ ارتطمتُ بهِ

طوداً من وطنٍ عاصفْ

لوهلةٍ خلت الأوطانَ تترتبُ هكذا كما الأبجدية

من ألفٍ إلى ياءْ

خلتُ الأوطانَ تُصابُ بوعكةٍ في قلبها

فاستطرتُ مني مجدداً

وتأملتُ...

أيشيبُ الوطنُ بكثافة ما يحملُ من أشباهنا في روحه؟!

أم أنّ الوهن هو الذي شيَّبَ تضاريسه الداخلية؟!

أيتعبُ الوطنُ من منفاهُ....

وتشابكت اللغةُ في حلقي.. حتى اشتاك بي..

تحوصلت حنجرتي فجفَّ كل حنينٍ إلى سواهُ

كما تجف السواقي عن ناعورةٍ لم تعد تقوَ على رتق حكاية زمانها

بعتابا الألم...

خفتُ..

ما الكلام هُنا سلعة..

ما الصمتُ هنا حياةْ

تلوحتُ في جسدي مثل بندول

واشتعلت شراييني باصفرار أرضهِ

علَّ جسراً يمتد من روحي

يعيدُ الخصبَ إليهِ

أخضراً

كغصنِ زيتونٍ

متورداً

كزهرةِ لوزٍ

لم تعد احتمالاتيَ الجذلى تتزايدُ

فخرجتُ من وعيي أبحثُ عنهُ فيهِ

كالثكلى..

أثكلني العمرُ يا وطني و أنا أرتعُ فيكَ غياباً

أثكلني الصبرُ على ضعفي

ما كنتُ أنثاكَ التي ترضى

وما عدتُ.. لتكونَ بكَ كما ترضى!

أثكلني العجزُ

ففقأتُ كل عيوني

وبكى قلبي

أملاً

أنسيتَ بأني أختصر الحبَّ بعينيكَ ليصير قصيدة؟!

أنسيتَ بأني أتتبعُ فجر الحلمِ لأنير بجبينكَ أيامي؟!

فلماذا تنسى

طفلتك الـ ما كبُرت إلا لتصغر في وجهك أكثر..

ما زلتُ صغيرة

وما زال هناك الكثير لأحصده منك يا  - أبيـ - وطني..

فهل أُفرِطُ في العشقِ؟..

ومنذ سنينٍ لم ترقد خاطرتي

لم يشغل بالُ الغربةِ أوطانا أخرى

تجمع أوصافكَ في أكثر من أرضٍ..

وهُنا

بين الجنبينِ أروقةٌ منكَ

قد يتخثر دمها لحظة فقدٍ...

لكني أوقنُ مذ أمّلتَ جبيني بضياكَ

أنْ ما دام القلبُ يحنُّ إليكَ

لن يخذل دمهُ في نزوةِ عهدٍ أبدية

أن مادام القلبُ يسيرُ منكَ

لن يحيد دمه في طرقٍ مسدودة

أن مادامَ القلبُ منكَ منكَ

لن يهوي سقماً

لحظة بُعدٍ..

فتعالَ إليَّ

هذه المرةَ

وحسبْ

أدري بأن الأوطان تؤتى ولا تأتي!

تعال أوقد الأملَ في قلبي

فكلُّ الأملِ أنتْ

الحسنى أسماء

17 يوليو/تموز 2009م

3:20 ص

الجمعة

 

 

 

(9) تعليقات

أزيزُ دربٍ مُورِقْ

 

ألَمٌ فوق الخاصرةِ اليُسرى، وشوكٌ في الحلقِ

فيما ظِلُّ المساءاتِ الفارغةِ يزيدُ البردَ في ورقي

ليملأ قلبي بالرطوبة..

و ينزِّهَ كلَّ مفرداتي بوجهكَ الذي غالباً ما أستحضرهُ

لأكتبَ ما أشاءُ..

و ما يحارُ الآخرونَ في تفصيلِهْ

...

...

...

بعد غيابٍ طويـــل

ينهضُ طفلٌ من داخلي؛ متكوِّراً في أيامي

و يزيدُ احتمال المطرِ على نافذتي التي أخذت شكلَ الحزنِ أو الفرحِ

- لستُ أوقِنُ حتى اللحظةِ – ما أنا به من نزواتٍ بشرية!

و يرقصُ على أطراف الكلماتِ التي اصطفّت في أوركسترا الشتاء

و هطلت غزيرةً كالذاكرةِ التي أنتعِلُها عن أشياءَ ثمينةٍ

وعن وطنٍ

و عن آخرينَ لم أحظَ بنسيانهم!

...

خرائطُ نملٍ تسعى

تطوفُ جوانب الطرقِ الخاويةِ

لا يُسمعُ لأقدامها صوتٌ أو صدى

تضجُّ على جسدي

تُنمِّلُ الكسلَ في صدري

وتُخرِجُ روحي عاريةً .. إلى حياتها التي ابتعدَتْ عنها

لتكتـُبَ

و لو جملةً مريضةً بحروفٍ أصابها جدري الماء

فاختبأت في جوف الصمتِ

علَّها تُشفى... و لم!

،،،

خرائط نملٍ تسعى تتشكَّلُ قطرات ندى

تزعمُ أن تروي تربةَ الروحِ المشقَّقةِ

فغبارها قد أعمى القلبَ و جفّفَ الحناجر.

...

...

...

أستحضرُ وجهكَ – الطفلَ –

بنظرةٍ للوراءِ

تُحشرِجُ المكان في داخلي بشيءٍ يُشبه الأذان بعد ليلٍ طويــلٍ

لأُطرِبَ بكَ

بقايا ذاكرتي الـ ما زالت معي..

و أُورثُها تِباعاً لحُسنٍ تبرعمَ من شقاوتي

ليكونَ...

أو يكونَ ما يكونْ

 

بعد غيـابٍ طويــلٍ

قفـلتُ عـائدة!

أستطلِعُ ملامحَ كلَّ شيءٍ ألِفَ غيابي

أستقصي لغتي

- في عالمٍ دمَّرهُ الموتُ والدمُ –

يا ضـادُ ...

في هذي الأرضِ الرّخوةِ كشفاهِ القتلَةِ والمهزومينْ

هل أمسى العُمرُ رحيلاً شتوياً

و هل قزَّمتِ عزيمتنا

نحن أولاد النسيانِ الأكبرِ لحناجرنا؟!!!

بُحَّت لغتي!

من صرخةِ قلمٍ جفّ في يُسرايَ كروحٍ

و زادني ألماً؛ تماماً فوق الخاصرةِ

تعاطفاً مع كلِّ شيءٍ حولي.....

؛؛؛

و أرتجَّ الحلُمُ في وجهكَ

فتناثرَ نجوماً لليلٍ أبحَرَتْ جدائلهُ تروي ما لم أحفظهُ من كتابتي القصيرةِ

و ما لم أعهدْهُ من فقرٍ في الكلماتْ

؛؛؛

قفلتُ عائدة...

لا شيء معي مما مضى

سـوى قلـبي

و وِشاحِ روحكَ السميك!

أستطلعُ ما ظلَّ على العهدِ مُنتظِراً

لآتيهِ على مهلٍ

كما تأتي الأقدارْ

 

 

الحُسنى أسماء

 

 

(4) تعليقات

غزّةَ تغزوكم؛ فانتفضوا.

 
 

 

مشغولون بعزلتنا

نحن أبناء الصمت المتواصل...

وأتساءل في نفسيَ الخجلى: أيُّ عين سترصدُ صورة الموت في أرضٍ هطلتْ دماً

وصارت سماؤها أصواتاً لا تفتؤ تروي قصة خيبتنا!!

 

أسماء

السبت 27 كانون الأول 2008م

8:00pm

(1) تعليقات

كلمات عاجلة إلى أمي***...

 

 

صباحك/ مساؤك ياسمين ونور..

بدايةً يا أُمَّ ::: كلهم حاولوا أن يكونوا _لي_ أنتِ لكنهم لم ...

 

في لحظةٍ ما:: غبت في شعور.. أينا خرج من الآخَر أنا أم أنتِ؟!!!

 

عند لحظةٍ أخرى:: أخذني الألم؛ لم أفق يا أماه إلا على صورتكِ..

 

في كل الوقت: كنتِ أنتِ فقط!

 

وجاءت ثواني الاحتمال: فاق صبري احتمالي فغبت كرةً أخرى ولم أعد أنا، بتُّ أنتِ يا كُلِّي!!

 

ولادة:: ساعتان، بل ربما أكثر وأكثر، خرج حسان مني، وعدتُ إليكِ أبحثُ عني.. أبحثُ عن (سُرَّتي) التي ما زالت تمتد منكِ إليَّ إلى حسان..

وحين أفقت، كنتِ معي، لمستُ يديكِ لكنكِ فجأةً ابتعدتِ..

 

ألم:: ما كان مولدهُ يا جَدَّة إلا مفارقة، أكان تعويضاً لي لأمومةٍ ما زلت أرشفها، أم كان نسجاً أزلياً ليعيدكِ قلبُ الحفيدِ إلى هُنا، حيث ما زلتُ أحبكِ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى..

 

معذرة:: أحزاني جذلى، وأنتِ يا أُمَّ في قلب الفرح الذي أتاني، كنتُ أنتِ، وها أنا أصيرُكِ، (أُم).. فسامحيني يا أُمي حين لم تكن حصيلتي تدركُ كم أنتِ عظيمة.. سامحيني يا أمي لأني سأقتفي خطاكِ حتى أرقى كما أنتِ الآن..

 

صباحكِ/ مساؤكِ يا أمي هدىً وحُسن.. كلماتي سرقت دمعي وحسّان سرقَ روحي وبدأ يكبر بها.. فهل ستحيطينا بدعاكِ يا أُمي كما أفقتُ عليه؟!!!

 
 
 
ابنتكِ التي صارت أنتِ

 

أم حسَّـان

4 نوفمبر 2008م / الثلاثاء

 

*** إلى أمي المقيمة في كندا..

(5) تعليقات

شرائح أيامٍ كانت، أو ستكون...

 

(1)

أبحث عن قلم، عن شيءٍ يعطي اللون لورقٍ أشبَعَتْهُ الصُّفرَةُ يَبَساً.. فاشتاقَ كما مثلي إلى بلَلٍ يُزبِدُ هذا القحطَ المتراكمَ فوق اللغةِ الباقية..

اللغةُ التي ما عادت تَزخَرُ بالنُّضجِ حين اعتراها نحولُ الهجرِ المبكِّرِ لمعالمها و مكنوناتها...

 
 

(2)

"فتنةُ الأيامِ، و رحيقُ خرابٍ وقتيٍّ لصَنعةٍ نسيتُها غياباً متزايداً من رحمِ الصمت.. و طفلٌ يزدادُ تكوّراً ليتدحرجَ عما قريبٍ من أحشائي.. و ينشرَ الحُسْنَ الذي غيَّبَتْهُ عبثيّتي.. وآن له أن يكون لغيري!"::: تفاصيل الحكايةِ الآتية.

 

(3)

أما عن البردِ الذي هجمَ فجأةً و تخللهُ موجاتُ شمسٍ لا تملكُ حرارة؛ فهناك الكثيرين ممن يحملون كنهه معهم في كل الفصول..

هل تُراني سأحملُ الشمسَ يوماً في طريقي إليَّ، كما أحملُ الآن شمس عمري "حسَّـان"؟!!!

 
                          

(4)

قلتُ كثيراً عن كلماتٍ احترقَت في تفاعلها المخفيِّ مع الأثير، و ربما لم تعيها أُذُنٌ فباتت هباءْ

و الآن.. ما يقولُ الهباءُ و قد أعياهُ الصمتُ المدقِعُ و أخجلَهُ صوتي؟

قلتُ مراراً سأكتب! و لُذتُ بالصفحات المسطَّرة دون أن تغريني بالكتابة!!

أتراني استحييتُ منها؟!

-لا أظنّْ! (غُنّة طويلة حدّ الطنين ترافق لفظ النون).

فإن كنتُ.. لخرجَ النصُّ زاهياً برائحة قهوةٍ على الأقل، في صباحٍ كان لا بدّ لي أن أوقظهُ ليرشفَ بي قهوةً لم أستسغها منذ زمنٍ مع غيره!...
 
 

(5)

عني: لا شيءَ يبدو جديداً.

فرضياتٌ معقدة لوقتٍ واحدٍ، سيأتي، سأصيرُ فيه أُمَّاً!

هل الأمومةُ نثرٌ أم شعرٌ أم قصيدة؟

تسألني ركلاتُ مَن بداخلي!!! فأُهرعُ بجزعِ ألمٍ لذيذٍ.. و لا أعرفُ الإجابةَ بعد.

 
                          

(6)

في البُعدِ:: تصبحُ أمي أكثرَ قداسةً من قُدسيتها العتيقة، و يشيخُ أبي كثيراً..

و لا أعودُ تلك الطفلة التي تركضُ لحضنِ أمها بعد أن تؤمَّني أشواقُ غربتهما!

 
                                      

(7)

تشرينُ لم يشكِّل يوماً في خارطتي أرضاً له. تشرين لم يخطر ببالي أن يقتطعَ جزءاً مني ليستقلَّ فيه!

جدول تشرين يشقُّ قلباً له من قلبي، يفيضُ في وعيي و ذاكرتي..

لا يوجد وصلٌ يا تشرين لترغمني على حبّك! (أقولُ له بحماقة)

لكنه يزداد هديراً كمحرِّكٍ بدائيِّ التشغيل..

فإن لم أكن حظيتُ بوصلهِ في تشرينَ الأول، فسيمتدُّ كثيفاً كدمعةِ طفلي الأولى و يكونَ في تشرينَ الأخير..

ثبوتاً غير قابلٍ للطعن البتّة! (تلك حقيقةٌ ستكون!).

 

 

الحسنى أسماء

16 تشرين الأول 2008م / الخميس

 

(5) تعليقات

من صحيفةِ امرأةٍ لا تشبهني كثيراً!

 

نقطة

 

انفلت الضوءُ من نجمةٍ اختفَت للتوِّ ، وباتت السماءُ ضرباً من الحلكة الصافية، وأتت ساعةُ الشِّعر تُطربُ بصوتها البحيح ما عجزتُ عن إطرابهِ بنثري..

فحملقتُ كأنما أنا خارجةٌ من أعجوبةِ حياة بكل ما جدّ في طريقي من عثراتٍ وخيباتٍ وسعادة!

واخترتُ ما شئتُ من وقتٍ لأعيشَهُ في ترفِ الحبِّ الباقي مع رجلٍ انتصف طريقي فأكمله سعياً إلى حيث أراد.

 

فاصلة

 

وإني بعد هذا الوقت من الغربة

أستطيع أن أكون حيادية بما يتسعه هذا الزمن العفِنُ من أمثالي من الحياديين

أستطيع أن أشطب كلماتي التي لم أكتبها

وأن أكتبها بما يليق بمفرداتي التي بدأت تزربُ من حيث لا أعلم!

الأرضُ اشتباه رحيل

والسكانُ في المدن المجاورة يرتحلون كأنما هم بدو!!

فتصير المدن باديةً شاسعة الأنقاض

وتصير الأنقاضُ جثثا لأشياءَ لا تشبه الأشياءْ

 

خواء

 

ربما عليَّ أن أعتقد بكل ما هو لم يكن ليحصل لولا اعتقادي الخاطئ بأنه لن يحصل!

 

 سرعة

 

في كلمات الآخرين شيءٌ يوقظ حسّ القراءة عندي

وفي كلماتي نقدٌ لاذعٌ لكل مَن يقرأ...

مَن أشعل سيجارة حسرة في آخر مرةٍ آثر ألا يقرأ شيئا من هنا.. أو هناك!

أتعبتني القراءة.. وأعياني قحطُ الكلمات...

 

فاصلة أخرى

 

وإني مُسَعدةٌ في أطرافِ الشوقِ

أتقاضى أجر رواياتٍ اكتظت في مؤخرة الذاكرة

لتحلَّ قصص جدَّت رغما عن بُعدِ النظمِ في صفحات الذاكرة الأولى

وأحلُّ أنا ضيفتها وأُناسٌ غيري أحقُّ أن يكونوا

بين شطحات القلم

رصاصاً لخشبهِ.. لا أكثر!

 
 

الحسنى أسماء

السبت 26 نيسان 2008م

 
 
 

 

(3) تعليقات

أفكارٌ مُضاءةٌ بسِراجِ غُربَة

 
 
 
 
ها هو الوطن؛ على بُعدِ ناصيةٍ من الدمعِ..

و فوضى السنينُ تشكي حيرةَ الطُرُقِ التي سُدَّتْ، و التي ما كانت إلا بنَسْجِ خُطاكَ (يا أبي)

تمتدُّ و تتواصلُ في تآخِ الحجارة الصمَّاء، و رصْفِ الكلامِ الذي لم يُقَلْ..

وشوقُ الهواءِ يهبُّ حِيناً إلى الديارِ يلثُمُ ما طابَ من خدودِ الأحبةِ..و يعانِقُ بنارِ الغيابِ سنينَ اغترابٍ لم تزل تتوالَدُ في النبضِ؛ أرملةَ غُربةٍ (يا أبي)...و العينُ كما الوطن؛ يؤرِّقُها الحنين!

أربعونَ عاماً...

و القلبُ موصولٌ بمشيمةِ الأرضِ

و الذاكرةُ في الوراءِ الفَتِيِّ تمرَحُ كأنها (أنا).. الطفلةُ الشَّهباء! بينَ التكايا و الزوايا و الكتُبِ و الأقارِبِ، تُشاكِسُ على أوتارِ اللهفةِ في الزقاقاتِ العتيقةِ، و تحتَ زواريبِ المشارِبِ، و خلفَ الصبايا تريدُ أن تبوحَ إليكَ (أيا أبي)، و يَقْتُلُها البُعدُ غُصَّةً، فتصمُتْ!

أربعونَ عاماً...

تَرحالاً من بقاعٍ إلى بقاع، و العمرُ يَلهَثُ خلف ضباب الأماني..

و العُمرُ مُذ درجَ في الروحِ باتَ ارتحالْ

تُفضي إليكَ غيومُ الشتاءِ بكُلِّ الحمولةِ، و تُرخي عند أعتابكَ حُمَّى الدموعِ الهَطولِ كأنما ما كان في الرحيلِ إلا وَقْع خُطاكَ العائدةِ ذاتَ ربيعٍ – حيثُ غادرتَ بضع شهورٍ، و تناسَلَتْ أيامها سنيناً شيَّبَتْ صبر الليالي، و أمدَّتْ نُجيماتها و البدرَ بعضَ شَيْبٍ و ما انتهى صِباها – ألا ترى خفْقَ الكتمانِ يتضاربُ في صدى عُمرها (يا أبي)؟!

و هُناكَ الوطنْ

على مَرمى الحُبِّ.. يبتسمُ كلوحةٍ نسيها فنانٌ لتشكيلِ نظرتها الأخيرة..

و هناك الوطن، على أملٍ ذبيحٍ يسجُدُ طُهراً لغَدِنا، و تكفُرُ كلُّ المنافي بنا.. و ما نحنُ سوى منفى!!

و ما هو سوى سكنٌ.. ما زالت القهوةُ توشكُ أن تغلي على موقدهِ الصيفي، قُربَ رُمَّانةٍ انتهى إزهارها.. و خلفَ أصواتِ أطفالِ البيتِ الذين لم يعرفوكْ

و عند أُمٍّ توقَّفَ التاريخُ – كلُّ التاريخِ الذي كُنَّاهُ – مُحجِّرَ الفؤادِ يرثي اصطبارها على الابنِ الذي ما انطوى تبكيهِ البلدانُ و يحكيهِ الآخرونَ و تشتهيهِ الجميلاتُ في عَرَضٍ بائنٍ..

و هو ساهٍ في الـ هُناكَ..

تُضعِفُهُ الأمومةُ.. و كالطودِ خشوعاً يتشقَّقُ وَلَهاً إليها..

و الطريقُ – إلى الوطنِ الدفينِ بها – أرملةً عقيمةً يتيمةً؛ الطريقُ منفىً آخَرَ على خريطةِ قَدَرٍ مُبتَعِدٍ (يا أبي)

هاهو الوطن...

على جبين الصغار الذين كبروا.. و في أصابع جدّي المبتورة.. و في أياديهم الشَّوْلاء، و جيناتهم التي حفِظَتْ أُصولَ التراب الأوليِّ لتنموَ فطرَتَهُ بنا أشباهاً من أشباهٍ هناك..

هم يحتسونَ قهوتنا على مَضضٍ؛ على مَلَلٍ؛ بشهوةِ الرحيلِ إلى العالمِ الأولِ، يجمعونَ الحياةَ..

و نحنُ نُقصي الحياةَ إلى آخِرِ التفكيرِ المعدنيِّ، نشتهي فنجانَ قهوتهم و عبَق الياسمين في (حوشِ) الدارِ وسِربِ حمامٍ أبيضَ أخطأ و مَرَّ في ذات اللحظةِ و نحن نشتكي للسماءِ حين هَرَّ الدمعُ غزيراً.. و هرَّتْ الأماني على العُمرِ خجْلَى من اغترابٍ تطاولَ في الصدرِ و استحبَّ شكلَ المجهولِ.. لا ذِكْرَ يُشجي سمعَ الفؤادِ بسَمَرٍ و لا رُواقَ يُوصِلُ – إنْ عَضَّتِ الخُطى جدولَ الطريقِ – إلى الوطن..

 

أربعونَ عاماً..

و الطريقُ أعمى؛ و عَصاهُ التي هشَّ بها اهترئتْ و تبعناهُ.. دون جدوى.. و أصابَهُ الهَرَم!

هذا الطريقُ (آ أبي) يحكي دون إيماءٍ سذاجةَ الأوطانْ

و يختصِرُ – و الحُبُّ شيءٌ لا يُختَصَر – مسلسلَ الرحيلْ

هل ضمَّدتَ القلبَ بشاشِ النسيانِ؟ و بلَّلْتَ حجراتِ الذاكرةِ بماءِ البِرَكِ الاصطناعية؟!

هل أبقيْتَ بضعَ جَوارٍ من حِسانِ الذكرى تحكيها للأحفاد؟

اشتعلَ العُمرُ (يا أبي)..

و تمردت علينا الجهاتْ

و اشتدَّ الغرباءُ، فاغتصبوا حقوقَ الوطنِ

و تنكروا للجيلِ المنبوذِ – كأنا – في أرضِ المنفى..

ما يفعلُ طفلٌ من أبوينِ من وطنٍ مُبتَعِدٍ، مغروسٍ في النبضِ الحيويِّ الأوحدِ، ينمو في جذرِ تُرابٍ أملَحْ

يكبُرُ في صحراءِ الدنيا، يدنو من أرضه.. يتعرَّفُ للوطنِ، و الوطنُ يدعوهُ بمغتَرِبٍ و المنفى يدعوهُ بوافِدْ؟!

و الطفلُ سليلُ النسبِ، و المنفى لا ينسِبُ إلا خيمةً إلى خيمة.. و أُجرةً إلى أُجرة..

و لا يملكُ إلا الصمتَ.. الصمتُ المُدْقِعُ يقتُلُ على مَهلٍ كما تفعلُ قنبلةٌ كيماويةٌ في أرضِ العراق..

الصمتُ يقتلُ على مهلٍ.. و يمتدُّ القتلُ إلى ما بعدَ الجيلِ القادم..

اشتعلَ العُمرُ..

و هناكَ الوطنُ يتأجَّجُ في البيتِ المتروكِ منذ الصبا.. على درجِ القُبَّةِ يجلسُ، يدرسُ ترجمةَ كلامٍ غربية، ويهبُّ هواءٌ غربيٌّ على الغُرَّةِ الشقراءِ يُحرِّكُ النبضَ إلى مستقبلٍ لم يكن يخشاهُ..

و من مشربيةِ الغرفةِ الوسطى يحكي الحَمامُ بهديلِ العَصرِ بعضَ أسرارٍ، و يرفرفُ على عَجَلٍ قبل أن ينتهي النهار.. و ها هو انتهى، و صارَ صفحةً في دفترِ السنين..

و امتلأ النهارُ بالخيباتِ و تلاشَتْ أوردةُ الضحكِ حتى جفَّتْ و هَدَّها الحنين.

 

ها هُنا شِعرٌ ينثُرُ على مقابرِ الذين مضوا مضائين بزلازلِ الانتظارِ بعضَ شوقٍ..

عودوا الديارَ كما سوفَ نعودها.. و تلملموا حول حُضنها ليختنقَ الدفءُ في أُصُصِ الحكايا.. و يختمرَ كثيراً لصقيعٍ سنحياهُ!

ها هُنا شِعرٌ يتكرَّشُ في تُخمةِ الغُربةِ و يئنُّ رقراقاً على كلِّ العُمرِ الذي مضى تَرَفاً دون إبحارٍ، فالمرساةُ ما زالت مرميَّةً، و ما زالَ الحبلُ مشدوداً بوترِ الوقتِ إلى شاطئ الوطن..

 

ها إنه الوطنْ

إيهِ (أبي)..

و أربعونَ عاماً لا تُختَصَرْ!

و الكلامُ يجرُّ في إثرِهِ احتراق، و النورُ يُشعِلُ درباً من وطنْ

و ما زلنا نبتعِدْ

هل أخّرْتَ عناءَ الرحيلِ عُمراً آخرَ تشيبُ إليهِ أسرابُ الحمامِ؟!

و هل أفرغتَ شُحَّ افتقادكَ في آبارِ المنافي فأترعتَها بك؟ و تشبَّثتْ برعونةِ اللجوءِ إلى الخرابِ بِكْ؟!

(آ أبي).. و على بُعدِ وطنٍ لقاءْ

و في كلِّ خطوةٍ سأستعيدُ تاريخكَ المتشقِّقِ من عمركَ العظيم..

سأستعيدُ تفاصيلَ جدَّتي، سأكونها

سأستعيدُ قصصَ جدّي، سأرويها

سأستعيدُ شِعرَ عمِّي، سأنثُرُهُ

سأستعيدُ أمثالِ عمَّاتي، سأضربها

سأستعيدُ لونَ عينيْكَ، سأعشقُهُ

و سأستعيدُ طعمَ وطني، سأدمِنُهُ..

ها هو الوطنْ! على بُعدِ حبيبٍ.. من خلفِ غيمٍ مُجْهَدٍ، مُضنىً، بِظِلِّكَ يختصرُ كل المنافي في إطارِ اشتياقٍ أزليٍّ إليك.. حيث لم تعرف – تلك المنافي التي اعتاشَتْ على أنفاسِك – كيف تختصِرُ مُجونَهُ في قلبِكْ!!
 
 
الحُسنى أسماء
 
 

 

(5) تعليقات

من صحيفة امرأةٍ فوضى (2)..

 

وطئة!

 

الآخرون يتلمسون أوقات البهجةِ من وجهي

وفئرانُ الصمت تقرضُ حبال أعصابي؛ بنهمٍ

فيما خيالُ الحزنِ يمرُّ سريعاً.. يتتبعني

أتعثر بنعوشِ الذاكرةِ الرثَّةِ

لفُسَحٍ أوسعَ مما قصدَتْهُ حياتي...

 

 

 

(6) تعليقات

من صحيفةِ امرأةٍ فوضى (1)..

 

في أُمسيةِ البردِ الفائتة

رتَّلَ الحُـبُّ قلبي..

وأتى الليلُ؛؛؛ أبيَضاً

يقرأُ لي تفاصيلَ كتابٍ لم أعتدْهُ

أسْمَتْهُ عَرَّافَتي::: حياتي.
.
.
.

 

 

(9) تعليقات

فيما كان الجوُّ حنيناً.. و ذاكرة!

 
.. يأتي كانون هذه المرة مختلفاً عن أي وقت مضى.. لا يشبه شيئاً مما أعرفه عنه، كانون ينتعل حذاء غريبٍ و يمر من جانبي.. لا يسلم.. لا يحاول أن يختلس النظر إليْ.. و لا يفتعل حديثاً أو مبادرةً بالحديث!

و المطر يتكاثفُ على نافذتي.. و نافذتي تحمل أنفاس نومي الدافئة و تحمل قطرات الشوق الهاطلة بزخمٍ صامت من خارجها.. أستيقظ.. أسمع صوت المطر غزيراً أجشاً عبر هاتفي.. يتكون الصباحُ دافقاً في القلبِ إلى باقي الجسد ليوقظه.. فتهرعُ هرمونات اليقظة و تشد عضلاته حتى غرفة الجلوس حيث الدفء أكثر و حيث القهوة تنتظر راشفها بشغف..

-"كلُّ كانونٍ وأنتِ بخير"؛
صادفتني الوردةُ الجورية في المزهريةِ وهي تثني على صمتي..
-"كلُّ كانونٍ وأنتِ أنتِ"؛
هزّني صوت ذكرى لم أمحها تغرقني بمطرها الصيفي في ارتعاشة البرد..
كانون يحقُّ له -الآنَ- أن يحمل جزءاً مما لم أستطع حمله من ذاكرتي، من أنايَ، من محافلِ الشخصية التي ترسبت في روحي لتكونَ أنا..
يحقُّ له أن يكون بصمَتي حين لا أعرف الكتابة، أن يصير صوتي حين تتهاوى الكلمات في جوفي، أن يعشقَ بي عندما لم أجد ما أقدمه لحبيبي سواه فتركتُني في قلبه كانوناً لكل لحظات الفقد و لكل تاريخٍ لم أُسعَدْ بتدوينه معه.. و لكل ثائرة عاطفةٍ أجّلتُها حتى حينٍ فذابت حُرقةَ اشتياقٍ و لم تبقَ على أمل..

كانون يتقمَّصُ كلِّي ليحتفل معي بما سيكون.. ليرتعشَ حباً.. ليصحبَ الليلَ في سمرٍ و سهاد.. ليُطرِبَ القلبَ الذي ما اعتادَ سوى لحن الحزنِ علَّ سعادةً تغمره بمطر الحب اللاهب فيصير أحلى مما يمكن أن يكون..

مطرٌ

مطرٌ

مطرٌ ..
و يستيقظُ الصباحُ و ينتظر المساءْ

و على نوافذِ الحيِّ عيونٌ كأنما هي تشبهني.. لكنها ليست عيوني.. تترقبُ العابرَ العاجيَّ في توقٍ إلى رشفِ بعضٍ من صوته.. أو سحابة من عطره.. أو شيئاً قليلاً من دفئه..

عيون الحيِّ تتخللني، تنُازعني فيما أنا أحوي.. و أنا فيهِ.. أذوي لأزدادَ ألقاً.. أذوبُ لأتكاثفَ مطراً.. و أبدأ...

أبدأ من حيث لم أعرف البدء قبلاً..

كانون ::: يا "إله الخائفين" .. أينَ أخفيتَ طقوسنا المجنونة؟ أين نسيتَ أسمائنا؟ أينَ فقدتَ ذاكرتكَ؟

و هل حقاً أتيتَ دوننا؟

كيف؟ وكل ما هُنا في ذهاب!!..

أبدأُ من صوتِ المطر قصَّتي.. علَّ الروايةَ في كانونٍ ما تكتمل.. كما بدأتْ

 

الحُسنى أسماء

(16) تعليقات

طارِقَـةُ ذِهْن

 

فيما كنتُ أغسل وجهي رنَّ جرس الباب، جففتُ يديَّ سريعاً و هُرِعتُ لأعرفَ مَن بالباب في هذا الوقت الباكر من الصباح..

كانت مندوبة مبيعات!

امرأة جميلة، كاملة الإضافات و الزينة، تقف بباب أيّ بيتٍ لتعرض خامتها من إحدى الشركات التجارية..

بالطبع لم أفتح الباب..

ليس خوفاً من أن تكون هذه –الجميلة- تابعة لإحدى عصابات السرقة، أو إحدى الشركات الدجالة إنما لأنها قالت فيما تظنه أنه جُملةُ جذبٍ ليفتَح لها أصحاب البيوت أبوابهم و يستمعون لما ستقوله::

" ربحتِ (هدية) يا مدام من إحدى المولات القريبة!.. اخترنا عشرة بيوت عشوائية من المنطقة، وكان بيتكِ إحدى هذه العشرة بيوت.."

لم أفتح الباب و لن!

اعتذرتُ منها.. و عدتُ إلى صباحي الذي بدأ برغبةٍ عجيبةٍ بالضحك..

ضحكتُ من الدنيا..

فقد علّمني جدّي أن لا شيء يأتي بالمجّان!

لا شيء دون مقابل... فما نحصل عليه برخيص يكلفنا الكثير لاحقاً!!
 
 

(9) تعليقات

مُقتَطَعات.. ما تلبَث أن ترسو في القاع

 
"واو العطفِ الأولى"

.. و قطعتُ الروايةَ إلى ما بعدَ الكتابة؛

حيثُ الزمنُ مفاصلَ من الورق، و موادَّ من الحِبر، و بدائلَ ملفَّاتْ

الأبطالُ ينحدرونَ من الشوارع؛ تلك التي تبدأ من الحكاية.. و تنتهي عند لحظة القراءةْ

الشوارعُ تصبحُ خاويةً بعد أن يتصفَّحَ قلبي صُوَرَ الأحداثِ

و يسمعَ اعترافاتِ الناس الذين عبروا الذاكرةَ ليُخيطوا بأصابعهم ما عجِزَتْ هيَ عن ترقيعِهْ

 
 

"واو العطفِ التوأم"

.. و أهذي في ليلي...

و هذياني – الآنَ – شِعرٌ!

الشِّعرُ زلَّاتُ الحقائقِ.. و أنا كرهتُ الصَّمتَ

و عدوتُ إلى رصيفِ الحزنِ؛ أرثي صُحبةَ الأمسِ، في أُمسِيَةٍ

و أُشاركُ الليلَ قَهوتي.. و قصائدي المُعلَّبَةْ

 
 

"جَدَلْ"

الزمنُ كأنما هو إنفاقٌ، في كلِّ ثانيةٍ تتوالدُ سنابل..

و الغُربَةُ حصَّادةُ وقتٍ، و الوقتُ يُبارَكُ في البُعدِ حقولاً..

مَنْ أنفَقَ بِذرَتَهُ في وطنٍ و نسِيَ الصَّبرَ عقيماً في الأعماق؟!

 
 

"واو التفريق"

.. و هناكَ عند أصيصِ الرغبةِ جُنَّتْ أوراقي،

و تجنَّدَ الحرفُ رصاصاً فوق طاولتي، و أتى الذُّعرُ..

و وصمَةُ الإبداعِ ترغمني على الكتابةِ

فتهتزُّ أصابعي...

و يتدفَّقُ الكلامُ مكبوتاً، مُقدَّداً، مُختَصَراً في بادئ الأمرِ

ثمَّ يستفيضُ أنهاراً من أقاويلَ و إيحاءاتٍ لأرضِ الروحِ فيُنبِتُها..

و تتشجَّرُ كَرْمَةُ الشِّعرِ فوق طاولتي فيذوبُ الرصاصُ سماداً لتُربتها..

و تبتهجُ المُهَجُ و تخفِقْ

... منذ شهورٍ و الصمتُ الأصلعُ يبتدءُ صباحي و مسائي، و عيوني شاحبةٌ عنه!

 
 

"انطلاقة"

في موسم التغيير.. أتنحّى عني جانياً، و أصيرُ قارعةً لأشياءَ كثيرة!

لكنها الطرُقُ نفسُها تأبى الامتدادَ بجانبي؛ فتسيرُ من خلالي إلى حيثُ تريد.

اكتشفتُ صدفةً، أنهُ كذلكَ فعلَ الآخرونْ!!
.
.
.

 

 

(1) تعليقات

"الموتُ في البيت أفضل من دهس سيارةٍ في الطريق" **

 
صباحٌ آخَرَ

تبيضُّ فيه الذاكرةُ

و تبتعد الكلمات..

خوفاً من إبَرِ الدم

و أمصالِ المرضى

و بلاهةِ الموتِ في وجوههم..

و روتينِ العمل!

 

صباحٌ آخَرَ

مرتَّبُ الوقتِ حدَّ النَزَقْ

سيارات الأجرة ملَّت تأخري..

و الطريقُ بصقَ خطوي عليهِ

حتى الحاسوب

و كرسي المكتب

و فنجان القهوة

و صحيفة الصباح – التي لا تدفعني لقراءتها –

و "المكيّفُ" اللزجُ..

ملَّت تفاصيلَ وجهي!

 

أظنني سأتركُ العمل

إذ لا أحدَ يروقُ له رنينُ الوقتِ في ورقه..

و لا أحد يحملُ مثلي عبء الكلامِ المراقِ

فوق أصابعي

هدراً

من احتمالِ انتهائه!

هل ينتهي النثرُ يا لغتي؟

و الوقتُ يصابُ بالبطالةِ

فيغذي مساحات الذاكرةِ بالزبَدْ

و يهندسُ أعمالهُ بقالبٍ جديدٍ

دون روتينٍ

أو تخطيط..

 

صباحٌ آخرَ

ستغادرهُ العصافيرُ

لم نلتقِ فيه..

لتعشُبَ قلوبنا بالمطَرْ!!!

أُقْفِلُ عائدةً إلى البداية..

حيث تكرّ الحرية أمامي كخيط صوفٍ

انفلتَ من "كنزةٍ" قديمة

و عاد للعَبَثْ..

ــــــــــ

** العنوان مقتبس من مقطع نثري لمحمود درويش.

 

 

 

 

 

(4) تعليقات
.
.
أكتبُ لا لأنتصرَ على تصحُّرِ الورقْ.. إنما لأسلمَ من احتضارِ يُسرايْ.. يدي التي تكذبُ عليَّ دائماً... لكني مُرغمةً أُصدَّقُها!!!