أُمُّ اليُمنْ
يمَّمْتُ شطر الحزنِ يوماً..فيمَّمت كلُّ أيامي ورائي!
.
.

الياسمينة الأولى

 
                                     
 
أفتح صفحةً بيضاء لأكتبَ لك فيها نثراً يترقرق عبر شراييني متدفقا بجُلِّ ما أحمله من عواطفَ تجيش في روحي فتحييها بك..

لأكتب ما لم أعتده من أسلوبٍ عن "ولدي" هذا المسمّى الثقيل في أمانته الأزلية، الخفيفُ في روحه الهائمة بين جنبيَّ ومرآي وحياتي، فأرى أناي وما توجعه من أسماءٍ أكونها يتقلبُ في بعضي وأنا التي لم يكن مزاجها يوماً متقلباً

يعالج بحيويةٍ ما أريد بوحه، لمحيّاكَ الجميلِ، لروحك الكبيرة في جسدك الصغير

أيا ولدي، أيا ولدي أيا ولدي....

"و لو عِفتُ قلمي لملأ أسطراً وأوراقاً بك"؛؛؛

في تلك الأمسيةِ لم أكن لأعرف شكل الدنيا، ولم أكن لأحس بوطء الأرض تحت قدميَّ ولم يكن للهواء طعمٌ في صدري اللاهث، لتُولد من كل ذاك، في غمرة ألمي وتبتهج بك الدنيا مع بزوغ تباشير الفجرِ الأولى.. أسمع الأذان يتبعه صوتك الـ يضج بالحياةِ تمرداً ووجوداً..

مختلفاً بدأتَ أيامكَ

لستُ أدري أأنا أعلمكَ البُنوّةَ أم أنتَ تعلمني الأمومة؟!

كأنما عرفتُكَ منذ أزل، بهمسكَ أستيقظ، أُحاذي مهدكَ ليلاً، أتملاكَ، أُغطّيكَ، أضمكَ، أكلمكَ كأنما تفهمني "وأنت هكذا حقا" مذ كنت جنيناً، وأذنكَ تصغي لأمكَ، أراكَ تناغي في أيامكَ الأُوَل.. تضحكُ ناظراً ملائكتكَ مُصدراً أصواتا ما زلتَ للآنَ تعيدها إن أربكتك "تخريبة" ما..

أيا ولدي..

عامك الأول مشى بكَ، فاحتفلت به ماشياً مع جديكَ وجدتيكَ أدامهما الله وباقي العائلة حتماً..

احتفلت بنا ماشياً، متبختراً، وقلبي يتبخترُ بكَ شغفاً لرجُل سيكبرُ بإذنِ الله ويكون ما لم يكنه أحدٌ قبلاً..

فهل تُراها هذي الصفحة البيضاء ستأخذ ما أبغيهِ من قلمي، وأنا التي مازالت أوراقها صفراء كتاريخ أمتها، وأنا التي ما اعتدت غير الحزن أسطُرُهُ على ورقي تشرأبُ كوحلٍ فيه.. تكتبُ لطفلٍ يكون عنوان حياتها، ويكون وليدها..

عامٌ أول، وتستطردُ قريحتي تشريناً من الأمل، تسوقه بلهفةٍ إلى كل ما هو منشولٌ من آهات القلوب التي ما عرفت يوماً شكلاً لفرح، أيصيرُ الفرح بريقاً في عين "طفلي"؟ وكل الفرح هو؟!!

أيا أوراقي اغتسلي بماء الحُبِّ ولا تجفي

فقطراتُ الماء من أصابعكِ تروي جفاف حلقي

وتملأ أخاديد الروح المتشققة منذ قديم عهدٍ بزوارقَ للخلاصِ والرغد..

كوني عطراً، فها أنا الآن أصغرُ كثيراً وأعودُ طفلةً بجديلتينِ تعبرُ الطريق المؤدي إلى الوطن وتتنشقكِ بملء صدرها.. ياسميناً يتفتح في وجه حسان.. يرسم له الطريق أبيضاً كأنتِ..

 

الحسنى أسماء

1 تشرين الثاني 2009م

 

(2) تعليقات

أوّلُ القِطافْ

                          

بغمضةِ عينٍ قفزت من "لفتّكَ" البيضاء وبدأتَ تحبو في أرجاء بيتنا الصغير, تتمسكُ بأبيكَ وهو خارجٌ من المنزلِ باكياً تريد الذهاب معه, حتى صار يباغتكَ ليغادر كأنما يتخفّى من فعلةٍ ما, أو تمسكني وأنا أعد الطعامَ متسلقاً على قدميَّ تريد أن تسير بي إلى غرفتكَ فألعابكَ فأناشيدكَ على قناتكَ المفضلة..

كنتَ صغيراً جداً, ضاحكاً دوماً, روح الدعابةِ ولدَتْ بكَ.. في قسماتِ وجهكَ الملائكي, تخبر الجميعَ أنكَ هُنا "لاتهملوني فأنا موجود"؛ تُناغي إن عمّ الصمت المكان, وتنطلقُ حنجرتكَ بتغريدةٍ عذبةٍ إن لعب معك أحدهم أو سمعت صوتي أو صوت أبيك يناغيك..

وها أنتَ الآن بشهوركَ الأحد عشر تحاول أن تسير تاركاً التشبث بي, معتداً بنفسكَ, واثقاً, تقع.. وتعاود الكرَّةَ مجدداً حتى تنجح!..

وتتحول مناغاتكَ المحببة إلى محاولاتٍ لكلماتٍ مغممة تعيد ما تستطيع التقاطه من أقوال من حولكَ "بلغتكَ السنسكريتية" الجميلة..

تناديني "ماء" دون "ماما".. وكم أُحلِّقُ بحبكَ حين أسمعها "ماما" (بترقيق الميمِ) لحظة تريد أن ترضعَ أو تأكل أو تنام.. بطفولةٍ تزيد شغافَ قلبي لهفةً وشبقاً بكَ وإليك..

يا قطعةَ روحي

ها أنت تأخذ أسمائي.. تجعلها طفولية الملامح، تنقّيها من شوائب الحياةِ التي أرهقتها، وتزرعها بالكثير من الكلماتِ لتعودَ أُخرى.. ليست غريبةً كعادتها؛ بل أُمّاً؛ و.. تتلاقفُ المسمياتُ بعضها, فكلُّ شيءٍ بكَ يصير أجمل..

يا قطعة روحي .. لم أكن أعرف أني لأجلك سأكون ,  فلو كنتُ لأسرفتُ على نفسي لأرقى فيك أكثر!..

الحسنى أُمّك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
** تصوير بيان الصفدي 

(6) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية
.
.
أكتبُ لا لأنتصرَ على تصحُّرِ الورقْ.. إنما لأسلمَ من احتضارِ يُسرايْ.. يدي التي تكذبُ عليَّ دائماً... لكني مُرغمةً أُصدَّقُها!!!