أُمُّ اليُمنْ
يمَّمْتُ شطر الحزنِ يوماً..فيمَّمت كلُّ أيامي ورائي!
.
.

غزّةَ تغزوكم؛ فانتفضوا.

 
 

 

مشغولون بعزلتنا

نحن أبناء الصمت المتواصل...

وأتساءل في نفسيَ الخجلى: أيُّ عين سترصدُ صورة الموت في أرضٍ هطلتْ دماً

وصارت سماؤها أصواتاً لا تفتؤ تروي قصة خيبتنا!!

 

أسماء

السبت 27 كانون الأول 2008م

8:00pm

(1) تعليقات

أفكارٌ مُضاءةٌ بسِراجِ غُربَة

 
 
 
 
ها هو الوطن؛ على بُعدِ ناصيةٍ من الدمعِ..

و فوضى السنينُ تشكي حيرةَ الطُرُقِ التي سُدَّتْ، و التي ما كانت إلا بنَسْجِ خُطاكَ (يا أبي)

تمتدُّ و تتواصلُ في تآخِ الحجارة الصمَّاء، و رصْفِ الكلامِ الذي لم يُقَلْ..

وشوقُ الهواءِ يهبُّ حِيناً إلى الديارِ يلثُمُ ما طابَ من خدودِ الأحبةِ..و يعانِقُ بنارِ الغيابِ سنينَ اغترابٍ لم تزل تتوالَدُ في النبضِ؛ أرملةَ غُربةٍ (يا أبي)...و العينُ كما الوطن؛ يؤرِّقُها الحنين!

أربعونَ عاماً...

و القلبُ موصولٌ بمشيمةِ الأرضِ

و الذاكرةُ في الوراءِ الفَتِيِّ تمرَحُ كأنها (أنا).. الطفلةُ الشَّهباء! بينَ التكايا و الزوايا و الكتُبِ و الأقارِبِ، تُشاكِسُ على أوتارِ اللهفةِ في الزقاقاتِ العتيقةِ، و تحتَ زواريبِ المشارِبِ، و خلفَ الصبايا تريدُ أن تبوحَ إليكَ (أيا أبي)، و يَقْتُلُها البُعدُ غُصَّةً، فتصمُتْ!

أربعونَ عاماً...

تَرحالاً من بقاعٍ إلى بقاع، و العمرُ يَلهَثُ خلف ضباب الأماني..

و العُمرُ مُذ درجَ في الروحِ باتَ ارتحالْ

تُفضي إليكَ غيومُ الشتاءِ بكُلِّ الحمولةِ، و تُرخي عند أعتابكَ حُمَّى الدموعِ الهَطولِ كأنما ما كان في الرحيلِ إلا وَقْع خُطاكَ العائدةِ ذاتَ ربيعٍ – حيثُ غادرتَ بضع شهورٍ، و تناسَلَتْ أيامها سنيناً شيَّبَتْ صبر الليالي، و أمدَّتْ نُجيماتها و البدرَ بعضَ شَيْبٍ و ما انتهى صِباها – ألا ترى خفْقَ الكتمانِ يتضاربُ في صدى عُمرها (يا أبي)؟!

و هُناكَ الوطنْ

على مَرمى الحُبِّ.. يبتسمُ كلوحةٍ نسيها فنانٌ لتشكيلِ نظرتها الأخيرة..

و هناك الوطن، على أملٍ ذبيحٍ يسجُدُ طُهراً لغَدِنا، و تكفُرُ كلُّ المنافي بنا.. و ما نحنُ سوى منفى!!

و ما هو سوى سكنٌ.. ما زالت القهوةُ توشكُ أن تغلي على موقدهِ الصيفي، قُربَ رُمَّانةٍ انتهى إزهارها.. و خلفَ أصواتِ أطفالِ البيتِ الذين لم يعرفوكْ

و عند أُمٍّ توقَّفَ التاريخُ – كلُّ التاريخِ الذي كُنَّاهُ – مُحجِّرَ الفؤادِ يرثي اصطبارها على الابنِ الذي ما انطوى تبكيهِ البلدانُ و يحكيهِ الآخرونَ و تشتهيهِ الجميلاتُ في عَرَضٍ بائنٍ..

و هو ساهٍ في الـ هُناكَ..

تُضعِفُهُ الأمومةُ.. و كالطودِ خشوعاً يتشقَّقُ وَلَهاً إليها..

و الطريقُ – إلى الوطنِ الدفينِ بها – أرملةً عقيمةً يتيمةً؛ الطريقُ منفىً آخَرَ على خريطةِ قَدَرٍ مُبتَعِدٍ (يا أبي)

هاهو الوطن...

على جبين الصغار الذين كبروا.. و في أصابع جدّي المبتورة.. و في أياديهم الشَّوْلاء، و جيناتهم التي حفِظَتْ أُصولَ التراب الأوليِّ لتنموَ فطرَتَهُ بنا أشباهاً من أشباهٍ هناك..

هم يحتسونَ قهوتنا على مَضضٍ؛ على مَلَلٍ؛ بشهوةِ الرحيلِ إلى العالمِ الأولِ، يجمعونَ الحياةَ..

و نحنُ نُقصي الحياةَ إلى آخِرِ التفكيرِ المعدنيِّ، نشتهي فنجانَ قهوتهم و عبَق الياسمين في (حوشِ) الدارِ وسِربِ حمامٍ أبيضَ أخطأ و مَرَّ في ذات اللحظةِ و نحن نشتكي للسماءِ حين هَرَّ الدمعُ غزيراً.. و هرَّتْ الأماني على العُمرِ خجْلَى من اغترابٍ تطاولَ في الصدرِ و استحبَّ شكلَ المجهولِ.. لا ذِكْرَ يُشجي سمعَ الفؤادِ بسَمَرٍ و لا رُواقَ يُوصِلُ – إنْ عَضَّتِ الخُطى جدولَ الطريقِ – إلى الوطن..

 

أربعونَ عاماً..

و الطريقُ أعمى؛ و عَصاهُ التي هشَّ بها اهترئتْ و تبعناهُ.. دون جدوى.. و أصابَهُ الهَرَم!

هذا الطريقُ (آ أبي) يحكي دون إيماءٍ سذاجةَ الأوطانْ

و يختصِرُ – و الحُبُّ شيءٌ لا يُختَصَر – مسلسلَ الرحيلْ

هل ضمَّدتَ القلبَ بشاشِ النسيانِ؟ و بلَّلْتَ حجراتِ الذاكرةِ بماءِ البِرَكِ الاصطناعية؟!

هل أبقيْتَ بضعَ جَوارٍ من حِسانِ الذكرى تحكيها للأحفاد؟

اشتعلَ العُمرُ (يا أبي)..

و تمردت علينا الجهاتْ

و اشتدَّ الغرباءُ، فاغتصبوا حقوقَ الوطنِ

و تنكروا للجيلِ المنبوذِ – كأنا – في أرضِ المنفى..

ما يفعلُ طفلٌ من أبوينِ من وطنٍ مُبتَعِدٍ، مغروسٍ في النبضِ الحيويِّ الأوحدِ، ينمو في جذرِ تُرابٍ أملَحْ

يكبُرُ في صحراءِ الدنيا، يدنو من أرضه.. يتعرَّفُ للوطنِ، و الوطنُ يدعوهُ بمغتَرِبٍ و المنفى يدعوهُ بوافِدْ؟!

و الطفلُ سليلُ النسبِ، و المنفى لا ينسِبُ إلا خيمةً إلى خيمة.. و أُجرةً إلى أُجرة..

و لا يملكُ إلا الصمتَ.. الصمتُ المُدْقِعُ يقتُلُ على مَهلٍ كما تفعلُ قنبلةٌ كيماويةٌ في أرضِ العراق..

الصمتُ يقتلُ على مهلٍ.. و يمتدُّ القتلُ إلى ما بعدَ الجيلِ القادم..

اشتعلَ العُمرُ..

و هناكَ الوطنُ يتأجَّجُ في البيتِ المتروكِ منذ الصبا.. على درجِ القُبَّةِ يجلسُ، يدرسُ ترجمةَ كلامٍ غربية، ويهبُّ هواءٌ غربيٌّ على الغُرَّةِ الشقراءِ يُحرِّكُ النبضَ إلى مستقبلٍ لم يكن يخشاهُ..

و من مشربيةِ الغرفةِ الوسطى يحكي الحَمامُ بهديلِ العَصرِ بعضَ أسرارٍ، و يرفرفُ على عَجَلٍ قبل أن ينتهي النهار.. و ها هو انتهى، و صارَ صفحةً في دفترِ السنين..

و امتلأ النهارُ بالخيباتِ و تلاشَتْ أوردةُ الضحكِ حتى جفَّتْ و هَدَّها الحنين.

 

ها هُنا شِعرٌ ينثُرُ على مقابرِ الذين مضوا مضائين بزلازلِ الانتظارِ بعضَ شوقٍ..

عودوا الديارَ كما سوفَ نعودها.. و تلملموا حول حُضنها ليختنقَ الدفءُ في أُصُصِ الحكايا.. و يختمرَ كثيراً لصقيعٍ سنحياهُ!

ها هُنا شِعرٌ يتكرَّشُ في تُخمةِ الغُربةِ و يئنُّ رقراقاً على كلِّ العُمرِ الذي مضى تَرَفاً دون إبحارٍ، فالمرساةُ ما زالت مرميَّةً، و ما زالَ الحبلُ مشدوداً بوترِ الوقتِ إلى شاطئ الوطن..

 

ها إنه الوطنْ

إيهِ (أبي)..

و أربعونَ عاماً لا تُختَصَرْ!

و الكلامُ يجرُّ في إثرِهِ احتراق، و النورُ يُشعِلُ درباً من وطنْ

و ما زلنا نبتعِدْ

هل أخّرْتَ عناءَ الرحيلِ عُمراً آخرَ تشيبُ إليهِ أسرابُ الحمامِ؟!

و هل أفرغتَ شُحَّ افتقادكَ في آبارِ المنافي فأترعتَها بك؟ و تشبَّثتْ برعونةِ اللجوءِ إلى الخرابِ بِكْ؟!

(آ أبي).. و على بُعدِ وطنٍ لقاءْ

و في كلِّ خطوةٍ سأستعيدُ تاريخكَ المتشقِّقِ من عمركَ العظيم..

سأستعيدُ تفاصيلَ جدَّتي، سأكونها

سأستعيدُ قصصَ جدّي، سأرويها

سأستعيدُ شِعرَ عمِّي، سأنثُرُهُ

سأستعيدُ أمثالِ عمَّاتي، سأضربها

سأستعيدُ لونَ عينيْكَ، سأعشقُهُ

و سأستعيدُ طعمَ وطني، سأدمِنُهُ..

ها هو الوطنْ! على بُعدِ حبيبٍ.. من خلفِ غيمٍ مُجْهَدٍ، مُضنىً، بِظِلِّكَ يختصرُ كل المنافي في إطارِ اشتياقٍ أزليٍّ إليك.. حيث لم تعرف – تلك المنافي التي اعتاشَتْ على أنفاسِك – كيف تختصِرُ مُجونَهُ في قلبِكْ!!
 
 
الحُسنى أسماء
 
 

 

(5) تعليقات

من عجين الذاكرة الأخيرة

(1)

من هدأة الدروب البعيدة أتيتُ

أيا وطناً أشتاقُ لأبي و الأحبةِ فيه

فلا أرى سوى الخرابْ
 

(2)

الشمس تشرق من الفستقِ المغمَضِ العينينِ

تحمِلُ ملامحَ خطوتي الأولى

و ترسمُ على عجلٍ

و بفوضى الخطوطِ الأخرى

ملامحَ خطوتي الأخيرة..
 

(3)

مدينةٌ متعَبة

و تاريخٌ ما زال ينبضُ في جوانحها

و حاراتٌ و أزقَّة

و اغتراباتٌ شتى

تهطُل في قيظ الروحِ

و تتبخرُ في عناقٍ باردْ
 

(4)

كلُّ شيءٍ هنا لم يعد يشبهني

حتى اللغة القاسية النبراتْ

كل شيءٍ يتملَّصُ من نسَبي

فأسيرُ غريبة

أبحثُ عني، وسط ازدحامها بي..
 

(5)

و في مدخل الجامع الكبير وقفتُ

أخاطِبُ المتنبي

و أتركُ للحمائمِ زوايا على المئذنةِ

لم أستطع أن أتسلقها

لترتاح عليها..

و أتأمل وجوه العابرين

ليس ثمَّةَ واحدٌ يُشبِهُهُ..
 

(6)

السفر قلقْ

و رحيلٌ منك..

و الطريقُ صهدٌ من كلمات

و أنا أخرى..

في أرق مسافةٍ لا تختصَرْ
 

(7)

قالوا لنا:"مدينةُ الحضارة ترحب بكم!"

هل نحن غرباءٌ ليرحبوا بنا في الوطن؟

أم نحن منهم؟

من نحن؟

و من هم؟!!!
 

(8)

تغتالني الدروبُ يا حلبُ

و القلبُ يشكي في طَفرةِ التكوينِ وحدتهُ

و العين تبكي

في لحظة اللقاءِ أياما

و الروح

يا شهبا.. مُيبَّسَةٌ

هدَّها الجوعُ إلى كلِّ ترويحٍ

ما أنسى هذي النفسَ كُربتَها..

فخُذي يأسي

و أسكنيني في البعدِ المصلوبِ

دهراً يحملُ للتاريخِ

أسماءَ من ظلوا

و أسماءَ مَن.. إليكِ قد راحوا..
 

(9)

أبواب الحديقة العامة تتوهني

و النهر يشكي جفاف السنونِ

التي كانتْ

و أسرابٌ من طيورٍ لم أدرسها

في الجامعةِ

و لم أحفَل بصورةٍ تخلَّدها؛ تتكاثر حولي..

و أصواتٌ من التاريخ قادمةً

و روائحَ من الترابِ تكفرُ

بكلِّ المنافي

و تتركُ لي ذاكرتي

أعالجها بمرضِ المدينةِ التي نُقشَتْ فيها نقشاً

و عتا الزمنُ عليها

فغبَّرها بهُيامٍ

ما لبثَ أن شعَّ بريقاً

من تحت رمادِ الأسرِّةِ القديمةِ

في بيتِ جدي

و حكا لذاكَ الرجل الذي أخذني منها

قصةَ الأوطانِ تعشقنا فنعشقها

تبتعِدُ فندمنُها..

(10)

"أراكَ عصيَّ الدمعِ"

آ أبا فراس؟!!

و تتخطاكَ أزمنةٌ إلى أنا!

فينتهي التقويم المنقرضُ

و يجف النهرُ في الحديقةِ بعدَكْ

فابكِ

إننا العطاشْ

فابكِ

إننا المجفَّفون تاريخاً

فابكِ

واروِ ما تبقَّى من صبرْ
 

(11)

ضحِكَتْ السيدة التي تشبه الموت

فاهتزت القلعةُ من تحتي

حين كنتُ أسيح فيها كأيةِ أجنبية!

وجلسَتْ قُربي تلتقطُ صورةً للتذكارِ مني-

من حجارتي التي تشبه تيكَ الحجارةِ حولي..

فاشمئززتُ
و غبتُ .. بعيداً في الضجَرْ
-لمَن تخلِّدُ ذاكرةَ الكاميرا وهي تسير على حافَّةِ ... عُمرها؟!!
 

(12)

في غمرةِ ابتعادي عنكَ

أكتشفُ أن كل شيءٍ في العالَم

طالتهُ يدُ الحداثةِ

إلا أنا.. و هذه المدينة!
 

(13)

وللحُبِّ عناقيدٌ من شهدِ الرضابِ

قطفتهُ

و تكسّرت على الأعتابِ جِراري!

أيا شهبا..

نرثي الزمان دونكِ

و يبقى العشق أساطيلاً من المجدِ... ليتني أُدركْهُ!!!
 
 
الحُسنى

 

(7) تعليقات

يُولَدُ الغريبُ طاعناً في الإيلام**

(آ أبي..)؟!!
. . . . .
إنَّ من أكثر ما يؤلم أن ترى الغرباءَ يعيشونَ في وطنكَ و أنتَ بعيد..

و إن عُدتَ يوماً.. ستكونُ سائحاً لا محالة!!

تفغُرُ فاهكَ دهشةً على ما آلَ إليه الحيّ الذي درجتَ فيه..

و تُصدَمُ بالعمرانِ السريعِ في شارع بيتكَ القديم..

تَرى كيف يُتقِنُ الأطفالُ في الحارةِ " الجُوانيّة " لهجتكَ بلا لثغةٍ أو حياءْ..

كيف ينظرون إليكَ كالغريب!!..

تحاولُ أن تبتسمَ في وجوههم فتصعقكَ سذاجةُ الفوارقِ التي أَطعمتكَ إياها الغربة!

لتُشكِّلَ بعضاً من طابعكَ الشخصيّْ

و مزاجكَ البعيدِ كلّ البُعد عن أدمغةِ أهلِ حارتكَ في حين أنكَ تحسبُ نفسكَ مثلهم..

لا تختلفْ عنهم سوى بالحنينِ الذي لم يعرفوهُ _ قطعاً _ لأرضٍ لم يشعروا بحُرقةِ غيابها..

و برودةِ طينهم بعيداً عنها..

تجِدُ أنكَ مختلفٌ كلَّ الاختلافِ عن أشباهكَ في الوطن!!

 

إنَّ من أكثر ما يؤلم أن تحتقنَ ذكرياتكَ في لحظةٍ عن عُمرِ إنسانٍ هَرِمَ و هو ينتظرُ اليومَ

بل الساعةَ تلو الساعة ليعودَ و لو كما رحل…

المهمُّ أن يعود! و حين يعود..

يحسَبُ أنَّ الياسمينَ سيفوحُ برائحةٍ استثنائيةٍ ترحيباً لقدومه..

يحسَبُ أنَّ نجوم الليلِ ستتلألأُ طويلاً كليلٍ سعيد..

يحسَبُ أنَّ جيوشاً من العيونِ و أساطيلاً من الأيادي ستغمرُهُ و هو يترجَّلُ على أرضِ الوطنْ!

" كُلُّها أحلامُ غريبٍ " أَقْحَمتْها الغُربةُ في رأسهِ ترويحاً عن مطاردةِ وطنهِ لذاكرته..

فكيفَ يفعلُ الغرباءْ..؟

و هناكَ وطنٌ في بُحَّةِ كلامهم يصهلْ

و وطنٌ في جدرانِ خلاياهم يسكنْ

يمُدُّهم بالوعي.. لمزاولةِ الحياةْ

كيفَ يفعل الغرباءْ؟؟؟

 

إنَّ ما يؤلم أن يُنادى بوطنكَ عاصمةً لثقافةٍ تأبّاها منذُ دهرٍ..

و عرَّشَتْ عليه داليةَ خَصْبٍ لم تَيْبَسْ من حملاتِ الفتْكِ و التصفية..

عروقها امتدّت إليه في غُربة الجَسَدِ

لتُلهِبَ روحَهُ بنار عودةٍ في فجرٍ قريبْ

 

إنَّ ما يؤلم أن أرى وطني يُحتفى بهِ و أَسعَدُ بذلك..

سعادةً استثنائية…

تتوزَّعُ في شراييني من جذورِ ياسمينةٍ امتدّت من هناك.. 

لتغمرني بالعطر الاحتفاليّْ..

فأحتفل وحدي و الوطنْ

تتويجاً استثنائياً أيضاً!!..
ـــــــــــــــــ
** كتبت هذه الخاطرة بمناسبة اختيار حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، 18/3/2006م.
 


jpg
(11) تعليقات

لنا الكثير، و لا ندركُ إلا أنْصافَ ما لنا! (قصة)

 

       ككلِّ المرضى حين يأتونَ إلى هُنا، نأخذُ منهم معلوماتٍ بسيطةٍ، نسألهم عن اسمهم الثلاثي، عمرهم، و طبيعة الفحوصات التي يريدون إجراءها..

لكنها هذه العجوز حين وقفَتْ تنتظر دورها و بجانبها ابنها الـ"عمُّو" بدَتْ لي قريبةً نوعاً ما، لها لون الأرضِ الرطبة، و قسوةِ الهواءِ العليل، نَظرتُها عميقة، غائرة، مثل بئرٍ صغيرِ الفُتحةِ من سقفه، واسع القاع.

- اسمكِ الثلاثي لو سمحتِ..    (قلتُ)

لكنها لم تُجِبْ، اكتفَتْ بابتسامةٍ صغيرةٍ تشبهُ تلك التي تتركها الأمهاتُ ليلاً حين يتفحّصْنَ أسِرَّةَ أبنائهنَّ الصغار، فيجدونهنّ نائمينَ بعبَقٍ ملائكيّ.

- الحَجَّة أنْصاف.. أنصافْ، محجوب ياسين.

قالَ الرجُلُ الذي يقفُ بجانبها كعمودِ نور.. و ظلَّتْ هي تنظرُ إليَّ من وراء جهاز الحاسوب الذي يفصلنا..

- مممم..العُمُر!         (قلتُ)

فضحكَتْ حتى اهتزَّ كيانها كلّه، و ضحكَ الرجلُ الـ"عمُّو" معها..

لم أدرِ لِمَ تضحك، أو ما الذي يُضحكُ حين تسألينَ الناسَ عن عمرهم هُنا، هذا أمرٌ روتينيٌّ معروف!

قالت لي:" أتريدينَ الصدق؟ لا أعرف في أيِّ عامٍ ولدت! فعندما قامت النكبة في الـ48 كنتُ طفلةً صغيرةً، هاجرتُ مع أهلي إلى هُنا.. و تزوجتُ سريعاً حتى صار ابني شيخاً،(أشارت إلى عمود النور الذي يسندها)".

... لحظات من الصمت المباغت، الصمت الذي يكون له هذا الحيِّز من الوقت دوماً بعد ذكرى تطرقُ الذهنَ، لم تكن بالحُسبانْ...

- أنتِ وُلِدتِ في فلسطين؟!   (ببلاهةِ طفلةٍ تكتشفُ شيئاً عزيزاً سألتُها)

- في القُدْس بالتحديد!   (قالت بحزم)

و تنهدَتْ طويلاً و تنهَّدَ ابنها الذي بدا لي في تلك اللحظة شجرةً غزيرةَ الأغصانِ تحمي أُمَّها المتيبِّسَة من صَهدِ الشمسِ أو ريحِ الليلِ البارد.

- خلص احسبي عمري عكيفك، أو إزا كُنتْ مولودة في الـ38 كم بكون عمري..؟

- اكتبي 65سَنِة!... أومأَ ابنها و هو يضعُ يدهُ على كتفها و يشدُّ بحنانٍ وتشبُّثٍ بشيءٍ كأنما سيتلاشى عمّا قليل...

- ألله يخلِّيكِ لأهلِكْ يا خالتي.. بس بيني و بينِك لمّا حدا بيسألني عن عمري بقول 25 سَنِة وبصدقوا...

ضحِكنا جميعاً هذه المرّة، أنا و العجوز و عمود النور الذي توهّجَ فجأةً كأنما فيه زيتٌ قديمٌ مُعتَّق..

أذكرُ حكايةً ساريةً عندنا في الشام، أنَّ أحدهم سألَ صبيَّةً حلوةً (كان الاثنانِ يتبادلانِ الغَرام) عن عُمرها.. فخجِلَتْ منه لأنها لا تعرفُ الحِساب، ثم انتَتَرَتْ بعد دقائق.. و قالت: "عندما يصيرُ تشرين أُكمِلُ العِشرين".. و ها هي الآن باتت عجوزاً تتدلّى من ذقنها السنواتُ العِجاف، و ترسمُ على وجهها دروبَ حياةٍ طويلةٍ قَطَعَتْها.. و ما زالت تقول (كأنما هي كذلك) لأي أحدٍ يسألها عن عمرها "في تشرين أُكمِلُ العشرين"!

 

لم تُبارحْنِ الغِبطَةُ بأنْ أُصافِحَ الأرضَ بسُمرتِها القمحيَّة، و أنْ أَشُمَّ رائحتها التي تُشبهُ الصَّعتَرَ الأخضرَ و زيتَ الزيتونِ و المريميّة و النعناع البري الصغير و الكثيف الأوراق، كلُّ ذاك الأريج كان في "الحَجَّة" كما أسماها عمود النور الذي لم يبتعد عنها، أحسستُ أني حين سآخذُ منها عيِّنات الدم سيتجمَّعُ عندي في أنبوبِ المَصْلِ تُرابٌ لا أكثر! أليسَ حريٌّ بي أن أحتفِظَ بذاكَ الدم في عيوني و أنفي و كفَّيْ؟.. لأنه ما زال يحملُ رغم شيخوختهِ معالمَ كلّ شيءٍ من تلك الحاراتِ التي هربَتْ منها الطفلةُ، و ها هي تجلسُ أمامي بكلِّ ثِقَلِ الوطنِ تريدُ أن تنتهي من وجعِ إبرةٍ في ثواني و هي التي لم تنتهِ من وجعِ النَّكبَةِ للآن...

كان بي حنينٌ إلى هناك، مع أني ربما لن أصِلَ لفلسطين أبداً، طالما أني أحملُ جوازَ سَفري الكحليّ الذي لا تعجبه أيُّ سَفارةٍ و لا يقبلُ أنْ يُدمغَ لأيّةِ جهةٍ تختصرُ الجهات بأكثرَ من أرض.. هذا الجواز الذي تفوحُ منه رائحة المأساة و الرحيلِ الأبدي إلى غُرباتٍ متتالية، إلى أرضينَ لا تملكُ من أرضِ ما أُحِبُّ غير الاسمِ فقط!

و الأرضُ كانت هُنا.. ثمَّ غادَرَتْ، و مشى عمودُ النورِ حتى انتهى الضوءُ و سرى الظلامُ في قلبي بعُصبةِ الصمت، مَن شَنَقَ رملَ بلادي بحبال الماءِ الآسن و ذَراهُ فُتاتاً في كلّ مكان؟!!

كانت البلادُ واحدةً، ما زالت البلادُ واحدةً في الذاكرة و في الخرائط غير الرسمية التي حُفِرَتْ على أقفاصنا الصَّدريَّة، لأنّ الخرائطَ الرسمية ما عادت تعترفُ بالحدودِ المخطوطةِ بالسنتيمترات، و بحجم الهواء الذي يمرُّ فوقها بالمتر المُكعَّب و بعَرضِ السَّماءِ – حتى أنَّهم يحاولونَ أن يضعوا إشاراتِ مرورٍ للطائراتِ حين تقطعُ حدودَ أيَّةِ دولة، لكني أتساءل: ألا تبتلعُ المجرَّاتُ تلك الإشارات و تلك الطائرات لتُريحنا من سطوةِ التَّقسيمِ حتى في الفضاء...؟!

 

العجوزُ غادَرتْ، و كلُّ الوطنِ ظلَّ هُنا معي!

الوطنُ الذي أنْسَتْهُ النّكبَةُ أن يصحبَ أوراقَهُ التي تدلُّ عليه، الوطنُ الذي لم يحمل شهادةَ ميلادٍ تحدِّدُ ساعةَ صُراخهِ التي صافحَ بها هذا الكون الجائر.. و مضى في كلِّ البِقاعِ يحملُ عاداتها وتقاليدها و لا يعترفُ بالمناطقِ الفاصلةِ التي فصلَ بها المعتدونَ أطرافَهُ و أعضائهُ ليسهُلَ عليهم حمله، لكنهم – رغم أنهم عاثوا فيه تقطيعاً – لم يستطيعوا حمْلَ قِطعةٍ منه و امتلاكها..

كلما قطعوا جزءاً منه، تبرعمَ هذا الجزءُ إلى جسدٍ كاملٍ، و أعادوا الكرَّةَ دون أن يفقهوا أنَّ الوطنَ لا يُقطَّع.. و لا يُوصَلْ.

ربما نجحَتْ النكبةُ في محوِ تاريخِ ميلادٍ، أو نسْفِ بيوتٍ و عائلاتٍ من أُسُسِها، أو ترحيلِ البشرِ إلى أمكنةٍ بعيدةٍ عن مسقطِ رؤوسهم؛ لكنها لم تنجح في تهجينِ الذاكرة؛ لم تنجح في إظهارِ طفرةٍ تُلغي ملامحَ الوطن في تلك العجوز..

و لن تنجحَ في امتلاكِه.. طالما أنه وصلَ إليَّ هُنا دون جوازِ سَفَرٍ أو تأشيرةِ مرورٍ.. ودون إذنٍ من وليِّ أمرٍ، تربَّعَ في إحدى حُجُراتِ القلبِ و أخذَ يتكاثرُ بصمتْ.....

 
 
 

12 كانون الأول  2006م

 


gif
(30) تعليقات

يأتي .. رغمَ كُلِّ شيء!

شيئاً فشيئاً أستسلمُ لتدفُّقِهِ في الوريدِ أزرَقاً أزرقاً بلا مُبالاةٍ استعرتُها لهذي القَبَساتِ من المدينةِ القديمةِ التي علَّمتني أهميَّةَ التاريخِ في التدوينِ المستطيرِ من أدمغةِ الشعوبِ الغافلةِ على مفارشَ باردةٍ لم تحتَمِ من هجماتِ الجليدِ الجافِّ إلا بحريرٍ مُلْتَصقٍ بجسدها النحيلِ لتَشَبُّعِهِ بالمطَرْ..

وأستطيرُ بسلامِ الحكماءِ في مَعزَلٍ عن الخَلْقِ مُتكاثفةَ الفؤادِ بنصفٍ مُعرَّجِ الحدودِ من قمَرٍ في السماءِ اللَّيْلكيَّةِ، كثيفاً كعَسَلْ!

 
خَوْفَ جِذْعٍ هَرِمَ بأوراقهِ الشابَّة، و هرِمَ بمكانهِ عديمِ الملامحِ، و هرِمَ بإصرارهِ على أنهُ أكثرُ من جذعٍ، أكثرُ من مجرَّدِ خشبةٍ ستُقتَطَعُ لأشياءَ قد تُحفَرُ إبقاءً على ذاكرة.. أو تُحرَقُ استنزافاً لذاكرةٍ كانت هوَ، أكونُ!.. الجذعَ المُتكاتِفَ اليديْنِ في حضورِ كانونْ...

ذاكرةُ التاريخِ القادمةِ إلى دفاترِ القَدَرْ.. و احتمالُ ما سيكونهُ الجِذْعُ تكونْ!

يتصعَّدُ في أدراجِ سَمائي برجولةِ بطلٍ مُنهزِمٍ من ملحمةٍ أُسطوريّة.. لهُ تقاطيعَ وجههِ اليابسة، له نظرتهُ الخارقة لم وراءَ القلوب، و له يدهُ الرؤوم.. الأصابِعُ ينقُصُها بعضُ التدليكِ و الأنفُ ينفُرُ عن وجهٍ كاملِ الدقائِقِ ليصيرَ ارستقراطيَّاً تماماً..
 
كانونُ.. الياقَةُ المزركَشَةُ لملابسي، و الحقيبةُ المائلةُ الكَتِفِ على كَتِفي، و الحكايةُ التي تبدأُ بقطرةِ مطَرٍ و أظُنُّها لا تنتهي إلا بآكاليلِ ياسمينٍ – سريعةِ العَطَبِ – على قبر!!.. يتخلَّلُها حَفْلٌ من شرابِ التُّوتِ – سريعِ العَطَبِ هو أيضاً – عند أوّلِ بائعٍ لم يَدْعُني بعيْنَيَّ؛ إذ لم يستوقِفْهُ حُزني.. حين فاضَتْ عربَتُهُ بما هو أكثرُ من لُّعابِ جَفنيَّ أرَقاً و حُزناً...

الياسمينُ ينتهي لرائحة.. الرائحةُ تصبحُ تاريخاً.. التاريخُ يتجوَّفُ أسطُرَ المارقينَ على شواهِدِ المدينةِ القديمةِ بعُنفِ مَنْ لهُ أحقيَّةُ السيادة..

التاريخُ فوضى أفكارٍ هزمها أصحابها بصلْبِها على الورقْ.. و الورقُ تذاكرَ مدفوعةَ الأجرِ إلى حياةٍ تكونُ و لا نكونْ..

*     *     *     *     *

شيئاً فشيئاً أتسَحَّبُ من ليلتي القعيدةِ على ترمُّلِ قصيدةٍ في مهدِ انبعاثها، و يُتمِ قيثارةٍ لم تعزِفْ سوى مقطوعةِ الخلودِ لأبٍ لم ينسبها إليهِ، و لم تفتقِرْ إلى تفرُّعاتِ اتّصالها بهِ، أَبٌ لحنٌ، صوتٌ يتشقَّقُ من فضاءِ الأثيرِ ليهطُلَ مطراً مُستعاراً من كانونَ آخرَ رُزِقَ شبهاً بهِ، كأنما اشْتُقَّ أحدهما من ضِلْعِ الثاني.. كأنما تورَّطَ التكوينُ في مُضغةِ رحمٍ لينشطِرا، كُلٌّ يعلنِ استقلالَهُ، كُلٌّ يتوحَّدُ في الآخَرِ و يتكمَّلُ بهِ..

أحدهما ينتهي في جدولِ الخريفِ الشتائيِّ يستنزفُ خيبةَ الرحيلِ بلا مُكثٍ و لا هوادةٍ و يبدو قويّاً كطَوْدٍ أمامَ أعاصيرِ الحكاية.. و أحدهما يفتتحُ مهرجانَ التقادمِ التصاقاً بكلِّ ما هو موصولٌ بمشيمةِ الانتهاءِ المزمنِ من سَبْقِ التاريخِ و التفرُّدِ بقُرصٍ من الوقتِ المكتظِّ بطوابيرِ غيرهما من صرعى حالاتٍ مماثلة...

 
كانونْ... مارَّاً بهدوءٍ جليلٍ، يتفحَّصُ أريكتَهُ و ذوبانَ الشَّمعِ في زاويةِ الدفءِ – حيث يطيبُ له الجلوسُ ليقرأَ الشِّعرَ الحديثَ – و ما تبقَّى من بيادقَ في رقعتهِ السوداءَ للأبيضِ المهزومِ شرعاً، أتفيَّؤهُ يغمرني بلونِ اللاشعورِ المزعِجِ، حين أكونُ البيدَقَ الأبيضَ الوحيدَ المتبقِّي في ميدانِ هزيمةٍ مؤكَّدة.. فأقطعً زوايا المدينةِ القديمةِ مع أصدقاءَ آخرينَ عني.. نصيرُ و العابرينَ السائحينَ إلى معابدِ دولتي المؤرَّخةِ في ظِلِّي فقط؛ و التي لا يراها إلا مَن أرادْ، نصيرُ سُوَّاحاً معاً.. في أُمسيةٍ تبرُدُ حتى العظم، و تركضُ بنا في شوارعِ الهزيمةِ، نحملُ في أدمغتنا ما نشاءُ من تعاويذَ و إيماءاتٍ و رؤىً عمَّا نشاءْ.. و نتكلَّمُ عن أُمورٍ لم نلتَقِ لأجلها، يضيعُ نصفُ الزَّمَنِ (الذي ارتئَيْناهُ) في مَضْغِ عوالِقَ من قصصٍ و سِيَرٍ، و نصفهُ البعيدُ يتقاطعُ مع سرعةِ بسمةٍ أخيرةٍ كطرْفَةِ عيْن...

 

كانونُ، المحارِبُ الهارِبُ من كُلِّ المعارِك..

يترجَّلُ متأخراً عن كلِّ شيء..

متأخراً، مثلي، عن الوقتِ المُخصَّصِ للسعادة..

أجيءُ في حضرةِ الوداعِ المستنبَطِ من لقاءاتٍ صيفيَّةِ الغيْمِ إلى أمكنةٍ محتملٌ فيها تكوُّنُ نُطَفُ بدايةٍ ما، فلا أرثي سوى الحكاية..

كانونُ يبدأُ حيثُ أبدأُ الكتابة.. لأعودَ وحدي في زَخَمِ مَن حولي.. للمدينةِ.. غريـبَة!

 
 
.

أسـماء الحُسْنى

1-كانون الأول – 2006م


jpeg تصوير جُمان/سويسرا
(12) تعليقات

إغداقاً حتّى حافةِ الوَلَهْ

إنّه العيــد، لا ضوءَ أبهَرَ من العيدِ يكشفُ حُزني!

 

الخيطُ الأسوَدْ

شهرٌ يرحلُ خفيفاً بذنوبِ قومٍ

ما هَمَّهُمْ يوماً

جَنْيَ السعادة..

و تدفُقٌ لوطنٍ أرهقَ الذاكرةَ

رصفَاً

فاعوجَّ شارعهُ في آخِرِ خطوةٍ إليّْ!

 

الخيطُ الأبيَضْ

مع تكبيرات العيد و أصوات المآذنْ

خرجتَ من بؤرةِ غيابكَ تركضُ على أَمَلي

تلبسُ جُبّةَ جدِّي و طربوشهُ المخمليِّ الأحمر

تهتفُ حتى يُبحَّ صوتكْ

.. مع كلِّ تكبيرةٍ أراكَ أجملْ

.. مع كلِّ تكبيرةٍ تملأ صدري بعِشقكْ

.. مع كلِّ تكبيرةٍ تكبُرُ حتى تغشى ذاكرتي تماماً

.

.

حلَبْ

الجامع الأمويُّ الكبيـر..

الناسُ كأنما الحَشرْ

أتجلّى من ذاكرتي لدقائق..

أخطِفُ تهنئةً من إحدى الياسمينات المتبقيّة على حافّة الشتاءْ

لتُعيدني قدمَيْكَ إلى المنفى...

تمسحُ امرأةٌ بكَفٍّ مُتيبِّسَة ظهري و تضَعُ في يدِي مِنديلاً

فأمسَحُ أدمُعي، و أشتاقُكْ

.

أيَا وطني.. ألا تُفطِرُ الأوطانُ من صيامها عنّا، يوماً علينا؟!!!

 

" تقبَّلَ الله طاعاتكم "

 

24 أكتوبر 2006م


jpg
(6) تعليقات

ما يقولهُ قَلمي .. بطريقةٍ ما

أخلُدُ للحُزنِ .. بعيداً عن ضجيجِ البَشَرْ

وامتناعاً عن هَشاشةِ نفسي

حيث يبقى للخيبةِ موطنٌ يسودهُ قلبي..

تستفحلُ فيه الغربةُ سرطانَ حريّة...

والوطنُ ما عادَ كالغريبِ في بيتي..

الوطنُ.. تُحفةُ الصَّبرِ في العروقِ

وأُغنيةُ الأرقِ

في الليالي التي تُجسِّدُها صُوَرُ الحنينِ إلى ماضٍ لم نكنْ فيه هناك!

الغُربةُ أَرْضَعتْنا..

كبِرَتْ معَنا..

وشاخَتْ من هنائنا قبل أن نحبو...

غربةٌ إلى الوطنْ

مغلوبٌ فيها قَدَري عن الحياةْ

إذ كيف أتلائمُ معَ الألوانِ.. وأنا.. قاتمةٌ.. سوداءَ

لا أعكسُ فرَحاً أو حضوراً

- كالظِلِّ أو أغمقَ قليلاً -

أمشي على وَجعي.. و الدربُ مرسومٌ لي منذ البَدْءِ

..

..

غُربةٌ اختصرَتْ مواويلَ السعادةِ من حَلْقي

وأدمَنَتْ في رِيقي البُكاءْ

لا أهلَ يتزاورونَ في بيتي

لا أصدقاءَ يكنسون عن وجهي قَتَرَ الفراغْ

حتى تجرَّدْتُ من بعضي...

واقتعدْتُ على جُرحي..!

قلبٌ: قمرٌ مشقوقٌ من جَنبَيْه!

والنَّاسُ رُّغاءْ

أتلوّى بين عفوِيَّتي وأقنعةٍ لم آلفْها..

لم أعرفْ كيف تضيعُ عن الحقِّ وتعودُ في آنٍ

تفتعلُ الحزنَ

تستجدي الشَّفَقَةَ

وفي طَرَفِ الوجهِ أحابيلُ رياءْ

 

الناسُ الناسُ يا ربِّي..

 

والغربةُ مُذْ أَفَقْتُ على ذُعري مُصفَرَّة..

أكبُرُ.. فيصغُرُ غطاؤها عن جسدي..

تُعرِّي انعتاقي من نفسي

وتُلهي رحيلي إلى الضَّعفِ البَشَريِّ بالنّاسْ

" الناسُ في غُربتي رُّغاءْ "

- لم أَعْثَرْ بقلبٍ يُؤوي لصوصيّةَ افتقادي لوطنْ

- لم آمَنَ لوجهٍ ملائكيٍّ فاضَ بالغيابْ

- لم أعشَقْ!!!

- لم أفرحْ

- لم أَنَمْ

- لم أغفُ على شَغَفٍ لنهارٍ يطلُعُ من بينِ حاجبيَّ

يَزُجُّ انتظاري في قافلةٍ

ويعيدني للشامِ طفلةً تتهجَّى الغيمَ في رحابةِ السماءْ

وحين تهمُّ بأن تنطقْ

يُغيِّرُ الغيمُ مجراهُ فترتبِكْ

طفلةً تلثغُ بحُريِّةٍ فطريّةٍ تُسرِّحُ ضفيرتَيْها

وتُرسِلُها للمدرسةِ أنثى المستقبل..

و وجهَ السعادة!

 

لكنَّ العمرَ قصير.. والصبرُ قادم..

والشَّامُ لم تملَّ يوماً من شهوةِ الغرباءِ حُفاةً على أرضها

ومواطنينَ كالوطنْ

في الهُوَّةِ الفاصلةِ بين الغُربةِ والحنينْ

 

 

مغلوبٌ هيكلُ الفرحِ في شكلي

ومُتنافِرٌ عن وَتريّاتِ الحُزنِ الشَّرقِيّْ

في غَمْرةِ المسيرِ نحو الضَّوءْ

الضَّوْءُ الذي أتى من قلبي .. وأنا أبْتعِد

أستعيدُ ثِقَتي بالخيرِ المُرهَفِ في عُمقِ الإنسانية..

أستعيدُني من شِباكِ الغُربة

" لن تنجحَ في رِقِّي عن طراوةِ الشَّام.. وعن عِشقِ الشَّام "

..

الناسُ يُغادرونَ قشورهم بلا استحياءَ

كأنما يزاولونَ طقوسَ عبادة!

وبمسكنةِ التَّعوُّذِ من سَهْوٍ في الصَّلاةِ تتقلَّبُ قلوبهم..

والقلوبُ بين أصابعِ الرحمنِ

يُقلِّبُها كيفَ يشاءْ!

 

الناسُ.. آخرونَ استجَدُّوا على عُمري

فتركتُهُمْ بعد قليلٍ ومضيتُ..

إلى أين أمضي بي؟

وأنا واهيةٌ مثل عنكبوتْ

لا أينَ.. أعرفُ وِجهتي!!

ولا أينَ تلوحُ لي في الطريق!!

 

الغُربةُ تستفحلُ في جَسدي

فأتمرَّدُ...

خَفَقانَ الطيرِ لفضاءٍ أكبر!

وكانَ.. أنْ عُدتُ إليَّ

أنا الوطنُ في داخلي..

وأنا الناسُ في خارجي..

لا بي مُضِيٌّ و لا بي حِراكْ

أمامَ روحِ غريبٍ في أُنْسِ الغُربةِ .. أُصبحُ غريبةً لا أدري لماذا؟!...

 


JPEG
(3) تعليقات

وَثْبةُ الحلُم الرَّخيمْ

 

*** إهداء ..إلى آخر مساءٍ قضيتُهُ في حَلَبْ.. رحلَ قبل أن آذنَ له بالرحيلْ ***

 

(1)

سيرحلُ هذا المساءْ

إلى نهارٍ لَيْلكيِّ الحضورْ

وتتناوَبُ أطيافُ موتى

كانوا قد تحلَّقوا حول نعشي

بعد أن فقأتُ دائرةَ صمتي وصرخْتُ

فتغيَّرَتْ مواجِعُ الأحجارِ

وتراقَصَتْ صراصيرُ الليلِ على هَمْسي

ولم يَعُدْ صبرُ المكانِ إلى لُهاثِ لقاءٍ

فيُثيرُ نسيماً عابراً أو مُخطئاً في عبورهِ إلى هُنا

ويُحرِّكُ صَيْفَ الظَّلامِ

قليلاً نحو الفناءِ

علَّهُ يُولَدُ من جديدْ

 

(2)

سيرحلُ هذا المساءْ

إلى جدارِ العُروجِ..

حيثُ انطباقُ الوقتِ على الوقتِ

في رُدهةِ الصلاةْ

يركعُ الصَفُّ الوحيدُ في محرابِ البَدءِ القديمِ

فينهالُ المسجدُ على قداستهِ ركوعاً

أبَديَّاً عظيما..

ويُؤثِّرُ المَبْعثُ الفِطريّ في لُغتي اتّساقاً

تتعرَّقُ من نَحوِهِ السُّطور

وتَجْفَلُ على فَصَاحتِهِ يَدي..

فتعتذرُ من قلمي وتستريحُ إيماناً بشوقها الحتميِّ

إلى موعدٍ سيكونْ!

 

(3)

سيرحلُ هذا المساءْ

إلى حُجرةِ طفلةٍ كبُرَتْ قبلَ الكلامْ

وعرَفَتْ ما لم تَدْرِ بهِ أُمَّها...

وكان عاماً طويلاً

هَذَا بمكرٍ كلَّ الخلايا في ذاكَ الجسدِ الهشِّ

من تُخمةِ الحليبْ

فتقيَّأتْ حُلُماً كان مُقدَّراً عليه الحقُّ في أن يصيرَ وَقْعَةَ

صِدْقٍ في كوْنِها الأُنثّوِيِّ فَلَمْ.. يصيرْ

وعلى حبلِ الانتظارِ سارَتْ

تُكبِّلُها قلائِدُ الكتمانِ ثِقَلاً لم يمنعها من المسيرْ

سارتْ طويلاً..

بأطولَ من شَعرِها

سارَتْ وإنّي أَظُنُّها الآنَ تَصِلْ

 

(4)

سيرحلُ هذا المساءْ

إلى صَيْفِيَّةٍ غربيَّةِ الهواءْ

حِيطانها مُبوَّبةٌ وسقفُها سماءْ

وفي يسارِ قلبها دَرَجٌ أصعدُهُ..

فأكبُرُ.. على صوتِ جَدِّي

يُنادي عليَّ فلا أُجيبْ

أتخفَّى من فَرْحَةِ نفسي أنْ عُدتُ إلى البيتِ الذي

أسنَدَهُ جدِّي في مُخيِّلَتي

وأعدْتُ اتّزانَهُ بعد عَناءْ

أتَخفَّى من حُزني أن كان البيتُ كما قالَ

ولم يكنْ هو كما قلتُ!

 

(5)

سيرحلُ هذا المساءْ

أخيراً... عن صدري!!

وتعبَثُ مكنوناتُ روحي في عَظمي

فتصقُلُ الشِّوْقَ عن وِحدتي

وتُنبِتُ الياسمينَ على عُمري

طالما بي مياهٌ لم تجفَّ من غزوةِ الرحيلِ القائِظِ

إلى صفاءِ النَّهارْ

فتتعطِّرُ الأسماءُ برذاذِ الأفواهِ والحناجرِ التي لَفَظَتْها

والتي.. ستظلْ

ويأتي لها مساءٌ آخَرَ لا يَكسُوها بالرحيلْ

 

 

(11) تعليقات

" في ذكرى النكبة ".. أُعيدُ صياغةَ الذكرى في أذهانكم!

لن تكونَ الأرضُ تذكاراً نحِنُّ إليهِ في بُرهةٍ ما..

أو تاريخاًَ نُمزِّقُهُ من رزنامةِ أفكارنا..

 

لن تكونَ الأرضُ ذكرى

لأنها النبض الذي لا يتوقَّفْ

و الورقةُ التي لا تَصفَرّْ

والعهدُ الذي سيُوفَّى يوماً

ولو بالدمْ

والدمُ زهيدٌ في سوقِها!!!

 

الأرض لا تنتَكِبُ أبداً...

إن غادرناها برضا أو عُنوةً..

هي حُرَّةٌ.. كُنّا عليها أم لا..

كُنّا لها أم لا ..

لكننا نحن الذينَ نَغَصُّ بالنكبةِ وتقشعِرُّ في جلودنا

رعشة الحنينِ إلى حُريّتنا بها!!

 

فلسطين....
الأرضْ...............
....................الحُرَّة.

.

.


jpg
(9) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية
.
.
أكتبُ لا لأنتصرَ على تصحُّرِ الورقْ.. إنما لأسلمَ من احتضارِ يُسرايْ.. يدي التي تكذبُ عليَّ دائماً... لكني مُرغمةً أُصدَّقُها!!!