نقطة انفلت الضوءُ من نجمةٍ اختفَت للتوِّ ، وباتت السماءُ ضرباً من الحلكة الصافية، وأتت ساعةُ الشِّعر تُطربُ بصوتها البحيح ما عجزتُ عن إطرابهِ بنثري.. فحملقتُ كأنما أنا خارجةٌ من أعجوبةِ حياة بكل ما جدّ في طريقي من عثراتٍ وخيباتٍ وسعادة! واخترتُ ما شئتُ من وقتٍ لأعيشَهُ في ترفِ الحبِّ الباقي مع رجلٍ انتصف طريقي فأكمله سعياً إلى حيث أراد. فاصلة وإني بعد هذا الوقت من الغربة أستطيع أن أكون حيادية بما يتسعه هذا الزمن العفِنُ من أمثالي من الحياديين أستطيع أن أشطب كلماتي التي لم أكتبها وأن أكتبها بما يليق بمفرداتي التي بدأت تزربُ من حيث لا أعلم! الأرضُ اشتباه رحيل والسكانُ في المدن المجاورة يرتحلون كأنما هم بدو!! فتصير المدن باديةً شاسعة الأنقاض وتصير الأنقاضُ جثثا لأشياءَ لا تشبه الأشياءْ خواء ربما عليَّ أن أعتقد بكل ما هو لم يكن ليحصل لولا اعتقادي الخاطئ بأنه لن يحصل! سرعة في كلمات الآخرين شيءٌ يوقظ حسّ القراءة عندي وفي كلماتي نقدٌ لاذعٌ لكل مَن يقرأ... مَن أشعل سيجارة حسرة في آخر مرةٍ آثر ألا يقرأ شيئا من هنا.. أو هناك! أتعبتني القراءة.. وأعياني قحطُ الكلمات... فاصلة أخرى وإني مُسَعدةٌ في أطرافِ الشوقِ أتقاضى أجر رواياتٍ اكتظت في مؤخرة الذاكرة لتحلَّ قصص جدَّت رغما عن بُعدِ النظمِ في صفحات الذاكرة الأولى وأحلُّ أنا ضيفتها وأُناسٌ غيري أحقُّ أن يكونوا بين شطحات القلم رصاصاً لخشبهِ.. لا أكثر! الحسنى أسماء السبت 26 نيسان 2008م
و فوضى السنينُ تشكي حيرةَ الطُرُقِ التي سُدَّتْ، و التي ما كانت إلا بنَسْجِ خُطاكَ (يا أبي) تمتدُّ و تتواصلُ في تآخِ الحجارة الصمَّاء، و رصْفِ الكلامِ الذي لم يُقَلْ.. وشوقُ الهواءِ يهبُّ حِيناً إلى الديارِ يلثُمُ ما طابَ من خدودِ الأحبةِ..و يعانِقُ بنارِ الغيابِ سنينَ اغترابٍ لم تزل تتوالَدُ في النبضِ؛ أرملةَ غُربةٍ (يا أبي)...و العينُ كما الوطن؛ يؤرِّقُها الحنين! أربعونَ عاماً... و القلبُ موصولٌ بمشيمةِ الأرضِ و الذاكرةُ في الوراءِ الفَتِيِّ تمرَحُ كأنها (أنا).. الطفلةُ الشَّهباء! بينَ التكايا و الزوايا و الكتُبِ و الأقارِبِ، تُشاكِسُ على أوتارِ اللهفةِ في الزقاقاتِ العتيقةِ، و تحتَ زواريبِ المشارِبِ، و خلفَ الصبايا تريدُ أن تبوحَ إليكَ (أيا أبي)، و يَقْتُلُها البُعدُ غُصَّةً، فتصمُتْ! أربعونَ عاماً... تَرحالاً من بقاعٍ إلى بقاع، و العمرُ يَلهَثُ خلف ضباب الأماني.. و العُمرُ مُذ درجَ في الروحِ باتَ ارتحالْ تُفضي إليكَ غيومُ الشتاءِ بكُلِّ الحمولةِ، و تُرخي عند أعتابكَ حُمَّى الدموعِ الهَطولِ كأنما ما كان في الرحيلِ إلا وَقْع خُطاكَ العائدةِ ذاتَ ربيعٍ – حيثُ غادرتَ بضع شهورٍ، و تناسَلَتْ أيامها سنيناً شيَّبَتْ صبر الليالي، و أمدَّتْ نُجيماتها و البدرَ بعضَ شَيْبٍ و ما انتهى صِباها – ألا ترى خفْقَ الكتمانِ يتضاربُ في صدى عُمرها (يا أبي)؟! و هُناكَ الوطنْ على مَرمى الحُبِّ.. يبتسمُ كلوحةٍ نسيها فنانٌ لتشكيلِ نظرتها الأخيرة.. و هناك الوطن، على أملٍ ذبيحٍ يسجُدُ طُهراً لغَدِنا، و تكفُرُ كلُّ المنافي بنا.. و ما نحنُ سوى منفى!! و ما هو سوى سكنٌ.. ما زالت القهوةُ توشكُ أن تغلي على موقدهِ الصيفي، قُربَ رُمَّانةٍ انتهى إزهارها.. و خلفَ أصواتِ أطفالِ البيتِ الذين لم يعرفوكْ و عند أُمٍّ توقَّفَ التاريخُ – كلُّ التاريخِ الذي كُنَّاهُ – مُحجِّرَ الفؤادِ يرثي اصطبارها على الابنِ الذي ما انطوى تبكيهِ البلدانُ و يحكيهِ الآخرونَ و تشتهيهِ الجميلاتُ في عَرَضٍ بائنٍ.. و هو ساهٍ في الـ هُناكَ.. تُضعِفُهُ الأمومةُ.. و كالطودِ خشوعاً يتشقَّقُ وَلَهاً إليها.. و الطريقُ – إلى الوطنِ الدفينِ بها – أرملةً عقيمةً يتيمةً؛ الطريقُ منفىً آخَرَ على خريطةِ قَدَرٍ مُبتَعِدٍ (يا أبي) هاهو الوطن... على جبين الصغار الذين كبروا.. و في أصابع جدّي المبتورة.. و في أياديهم الشَّوْلاء، و جيناتهم التي حفِظَتْ أُصولَ التراب الأوليِّ لتنموَ فطرَتَهُ بنا أشباهاً من أشباهٍ هناك.. هم يحتسونَ قهوتنا على مَضضٍ؛ على مَلَلٍ؛ بشهوةِ الرحيلِ إلى العالمِ الأولِ، يجمعونَ الحياةَ.. و نحنُ نُقصي الحياةَ إلى آخِرِ التفكيرِ المعدنيِّ، نشتهي فنجانَ قهوتهم و عبَق الياسمين في (حوشِ) الدارِ وسِربِ حمامٍ أبيضَ أخطأ و مَرَّ في ذات اللحظةِ و نحن نشتكي للسماءِ حين هَرَّ الدمعُ غزيراً.. و هرَّتْ الأماني على العُمرِ خجْلَى من اغترابٍ تطاولَ في الصدرِ و استحبَّ شكلَ المجهولِ.. لا ذِكْرَ يُشجي سمعَ الفؤادِ بسَمَرٍ و لا رُواقَ يُوصِلُ – إنْ عَضَّتِ الخُطى جدولَ الطريقِ – إلى الوطن.. أربعونَ عاماً.. و الطريقُ أعمى؛ و عَصاهُ التي هشَّ بها اهترئتْ و تبعناهُ.. دون جدوى.. و أصابَهُ الهَرَم! هذا الطريقُ (آ أبي) يحكي دون إيماءٍ سذاجةَ الأوطانْ و يختصِرُ – و الحُبُّ شيءٌ لا يُختَصَر – مسلسلَ الرحيلْ هل ضمَّدتَ القلبَ بشاشِ النسيانِ؟ و بلَّلْتَ حجراتِ الذاكرةِ بماءِ البِرَكِ الاصطناعية؟! هل أبقيْتَ بضعَ جَوارٍ من حِسانِ الذكرى تحكيها للأحفاد؟ اشتعلَ العُمرُ (يا أبي).. و تمردت علينا الجهاتْ و اشتدَّ الغرباءُ، فاغتصبوا حقوقَ الوطنِ و تنكروا للجيلِ المنبوذِ – كأنا – في أرضِ المنفى.. ما يفعلُ طفلٌ من أبوينِ من وطنٍ مُبتَعِدٍ، مغروسٍ في النبضِ الحيويِّ الأوحدِ، ينمو في جذرِ تُرابٍ أملَحْ يكبُرُ في صحراءِ الدنيا، يدنو من أرضه.. يتعرَّفُ للوطنِ، و الوطنُ يدعوهُ بمغتَرِبٍ و المنفى يدعوهُ بوافِدْ؟! و الطفلُ سليلُ النسبِ، و المنفى لا ينسِبُ إلا خيمةً إلى خيمة.. و أُجرةً إلى أُجرة.. و لا يملكُ إلا الصمتَ.. الصمتُ المُدْقِعُ يقتُلُ على مَهلٍ كما تفعلُ قنبلةٌ كيماويةٌ في أرضِ العراق.. الصمتُ يقتلُ على مهلٍ.. و يمتدُّ القتلُ إلى ما بعدَ الجيلِ القادم.. اشتعلَ العُمرُ.. و هناكَ الوطنُ يتأجَّجُ في البيتِ المتروكِ منذ الصبا.. على درجِ القُبَّةِ يجلسُ، يدرسُ ترجمةَ كلامٍ غربية، ويهبُّ هواءٌ غربيٌّ على الغُرَّةِ الشقراءِ يُحرِّكُ النبضَ إلى مستقبلٍ لم يكن يخشاهُ.. و من مشربيةِ الغرفةِ الوسطى يحكي الحَمامُ بهديلِ العَصرِ بعضَ أسرارٍ، و يرفرفُ على عَجَلٍ قبل أن ينتهي النهار.. و ها هو انتهى، و صارَ صفحةً في دفترِ السنين.. و امتلأ النهارُ بالخيباتِ و تلاشَتْ أوردةُ الضحكِ حتى جفَّتْ و هَدَّها الحنين. ها هُنا شِعرٌ ينثُرُ على مقابرِ الذين مضوا مضائين بزلازلِ الانتظارِ بعضَ شوقٍ.. عودوا الديارَ كما سوفَ نعودها.. و تلملموا حول حُضنها ليختنقَ الدفءُ في أُصُصِ الحكايا.. و يختمرَ كثيراً لصقيعٍ سنحياهُ! ها هُنا شِعرٌ يتكرَّشُ في تُخمةِ الغُربةِ و يئنُّ رقراقاً على كلِّ العُمرِ الذي مضى تَرَفاً دون إبحارٍ، فالمرساةُ ما زالت مرميَّةً، و ما زالَ الحبلُ مشدوداً بوترِ الوقتِ إلى شاطئ الوطن.. ها إنه الوطنْ إيهِ (أبي).. و أربعونَ عاماً لا تُختَصَرْ! و الكلامُ يجرُّ في إثرِهِ احتراق، و النورُ يُشعِلُ درباً من وطنْ و ما زلنا نبتعِدْ هل أخّرْتَ عناءَ الرحيلِ عُمراً آخرَ تشيبُ إليهِ أسرابُ الحمامِ؟! و هل أفرغتَ شُحَّ افتقادكَ في آبارِ المنافي فأترعتَها بك؟ و تشبَّثتْ برعونةِ اللجوءِ إلى الخرابِ بِكْ؟! (آ أبي).. و على بُعدِ وطنٍ لقاءْ و في كلِّ خطوةٍ سأستعيدُ تاريخكَ المتشقِّقِ من عمركَ العظيم.. سأستعيدُ تفاصيلَ جدَّتي، سأكونها سأستعيدُ قصصَ جدّي، سأرويها سأستعيدُ شِعرَ عمِّي، سأنثُرُهُ سأستعيدُ أمثالِ عمَّاتي، سأضربها سأستعيدُ لونَ عينيْكَ، سأعشقُهُ و سأستعيدُ طعمَ وطني، سأدمِنُهُ..
<<الصفحة الرئيسية









