أُمُّ اليُمنْ
يمَّمْتُ شطر الحزنِ يوماً..فيمَّمت كلُّ أيامي ورائي!
.
.

من عجين الذاكرة الأخيرة

(1)

من هدأة الدروب البعيدة أتيتُ

أيا وطناً أشتاقُ لأبي و الأحبةِ فيه

فلا أرى سوى الخرابْ
 

(2)

الشمس تشرق من الفستقِ المغمَضِ العينينِ

تحمِلُ ملامحَ خطوتي الأولى

و ترسمُ على عجلٍ

و بفوضى الخطوطِ الأخرى

ملامحَ خطوتي الأخيرة..
 

(3)

مدينةٌ متعَبة

و تاريخٌ ما زال ينبضُ في جوانحها

و حاراتٌ و أزقَّة

و اغتراباتٌ شتى

تهطُل في قيظ الروحِ

و تتبخرُ في عناقٍ باردْ
 

(4)

كلُّ شيءٍ هنا لم يعد يشبهني

حتى اللغة القاسية النبراتْ

كل شيءٍ يتملَّصُ من نسَبي

فأسيرُ غريبة

أبحثُ عني، وسط ازدحامها بي..
 

(5)

و في مدخل الجامع الكبير وقفتُ

أخاطِبُ المتنبي

و أتركُ للحمائمِ زوايا على المئذنةِ

لم أستطع أن أتسلقها

لترتاح عليها..

و أتأمل وجوه العابرين

ليس ثمَّةَ واحدٌ يُشبِهُهُ..
 

(6)

السفر قلقْ

و رحيلٌ منك..

و الطريقُ صهدٌ من كلمات

و أنا أخرى..

في أرق مسافةٍ لا تختصَرْ
 

(7)

قالوا لنا:"مدينةُ الحضارة ترحب بكم!"

هل نحن غرباءٌ ليرحبوا بنا في الوطن؟

أم نحن منهم؟

من نحن؟

و من هم؟!!!
 

(8)

تغتالني الدروبُ يا حلبُ

و القلبُ يشكي في طَفرةِ التكوينِ وحدتهُ

و العين تبكي

في لحظة اللقاءِ أياما

و الروح

يا شهبا.. مُيبَّسَةٌ

هدَّها الجوعُ إلى كلِّ ترويحٍ

ما أنسى هذي النفسَ كُربتَها..

فخُذي يأسي

و أسكنيني في البعدِ المصلوبِ

دهراً يحملُ للتاريخِ

أسماءَ من ظلوا

و أسماءَ مَن.. إليكِ قد راحوا..
 

(9)

أبواب الحديقة العامة تتوهني

و النهر يشكي جفاف السنونِ

التي كانتْ

و أسرابٌ من طيورٍ لم أدرسها

في الجامعةِ

و لم أحفَل بصورةٍ تخلَّدها؛ تتكاثر حولي..

و أصواتٌ من التاريخ قادمةً

و روائحَ من الترابِ تكفرُ

بكلِّ المنافي

و تتركُ لي ذاكرتي

أعالجها بمرضِ المدينةِ التي نُقشَتْ فيها نقشاً

و عتا الزمنُ عليها

فغبَّرها بهُيامٍ

ما لبثَ أن شعَّ بريقاً

من تحت رمادِ الأسرِّةِ القديمةِ

في بيتِ جدي

و حكا لذاكَ الرجل الذي أخذني منها

قصةَ الأوطانِ تعشقنا فنعشقها

تبتعِدُ فندمنُها..

(10)

"أراكَ عصيَّ الدمعِ"

آ أبا فراس؟!!

و تتخطاكَ أزمنةٌ إلى أنا!

فينتهي التقويم المنقرضُ

و يجف النهرُ في الحديقةِ بعدَكْ

فابكِ

إننا العطاشْ

فابكِ

إننا المجفَّفون تاريخاً

فابكِ

واروِ ما تبقَّى من صبرْ
 

(11)

ضحِكَتْ السيدة التي تشبه الموت

فاهتزت القلعةُ من تحتي

حين كنتُ أسيح فيها كأيةِ أجنبية!

وجلسَتْ قُربي تلتقطُ صورةً للتذكارِ مني-

من حجارتي التي تشبه تيكَ الحجارةِ حولي..

فاشمئززتُ
و غبتُ .. بعيداً في الضجَرْ
-لمَن تخلِّدُ ذاكرةَ الكاميرا وهي تسير على حافَّةِ ... عُمرها؟!!
 

(12)

في غمرةِ ابتعادي عنكَ

أكتشفُ أن كل شيءٍ في العالَم

طالتهُ يدُ الحداثةِ

إلا أنا.. و هذه المدينة!
 

(13)

وللحُبِّ عناقيدٌ من شهدِ الرضابِ

قطفتهُ

و تكسّرت على الأعتابِ جِراري!

أيا شهبا..

نرثي الزمان دونكِ

و يبقى العشق أساطيلاً من المجدِ... ليتني أُدركْهُ!!!
 
 
الحُسنى

 

(7) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 27 اغسطس, 2007 09:54 ص , من قبل Qwaider قويدر
من الولايات المتحدة

اهلكتني و انا أقرأ قصيدك الدسمة جدا

لكن استاذة.. ماشاءالله عليكي .. فعلا ..استاذة...
لكنّك للأسف.. مقلّة في كتاباتك. الا امتعتنا بالمزيد، بالله عليكي؟


اضيف في 27 اغسطس, 2007 04:09 م , من قبل umalyomn

لستُ مُقِلّة في كتاباتي إنما هي الكلمات التي لا تأتي إلا حينما آتيها على عجلٍ..
الوقت.. وكل شيء هُنا يريد استنزاف الذاكرة..

أشكركَ على "أستذتي" واتمنى ان أستحق اللقب ذاكَ يوماً ما!!

* * *

وأعد جميع قراء المدونة بأن أتوافر قليلا هنا في مدونتي لأنشر فيها ما لم أنشره منذ زمن مما أكتب...

تحيَّتي


اضيف في 27 اغسطس, 2007 11:37 م , من قبل Hassan

فعلا دوختني يا أسماء،لا يستطيع من يحاول(عرك)عجينك أن يلتقط أنفاسه خشية أن تفوته كلمة أو زفرة أو نبضة .
(عجينتك) رائعة في مكوناتها:الوطن ـ الأحبة ـ الذي لم ترين أحدا يشبهه ـ الصور الشعرية الراقية، والصور(الفوتوغرافية)التي تكمل بناء قصيدتك .
ولكن هل لي أن أسألك لم تغيرت كتاباتك عن الشهباء(التي أضناني الشوق لها ولأخواتها)عما نستجته عنها وعن الوطن في زيارتك في العام الماضي؟ ما الثابت وما المتحول؟
عمك حـسّـان


اضيف في 28 اغسطس, 2007 04:08 م , من قبل umalyomn

الثابت هو الشهباء! و كلنا أقمار ندور في أفلاكها.. نتغير تبعاً لهواها..
نتغرب
نحزن
نتيه
نحب
نعشق
نفنى
نشتاق
ثم يضنينا الحنين
فنعود أدراجنا إليها .. نعود إلى أوليتنا بها، نقارننا بأرضها فنعرف أننا ما زلنا ننبض بها رغم كل الأتربة التي علت أجسادنا من سواها..

" أنا حلب!
و حلب امرأةٌ عاشقة لشيءٍ مختلف
تشكَّلَ في أنتْ "
. . .
هكذا قلتُ له لحظة أن عدت منها إليه.. و مازلتُ أعود..
فهل تُراني أصل؟ آ عماه؟!!


اضيف في 30 اغسطس, 2007 04:07 م , من قبل مداد
من أستراليا

تحية بقدر جمال البوح هنا..
مرحى..
مرحى..
مرحى..
ثلاثاً وأخرى.. لمدادٍ قُدَّ من طُهر.. فاغتشتني نبوءة عن نصله الذي يهتف ألقاً حين يسافر في القلوب..


اضيف في 21 سبتمبر, 2007 03:04 ص , من قبل B a s H e e R
من المملكة العربية السعودية

لعلها تلك الذاكرة التي لم نفعل ..!
ولم ندركها يوماً بحاسة سادسة ..!
هي ذلك الشيء الذي لا يريد أن يتنصل من عبء ما تبقي لنا من حنين
تعجنه، وتفركه بكل ذرة حب وطن ..
وكل مسميات الغربة القذرة ..
وكل أسماء الوطن التي لم نعرفها إلا في نشرات الأخبار ..
وكل أسماء المدن التي لم نسمعها
إلا في نشرات الطقس المغبر ..!

هي ذات الذاكرة التي لاتريد لنفسها أن تذوب..!
أو أن تشفى من صاحبها ..!


كل الاحترام ، بشير بساطة


اضيف في 07 اكتوبر, 2008 06:42 م , من قبل baylouol
من كندا

آآآآه ٍ من الغربة ِ تلك ،،،

كم تهلكنا ،

حنينها لنا اكثر منا ،
ولا تطيق تألمنا وتجرعنا له ،

ولكنها تبكي دائما ً من حزنها لنا ،

فما بمقدورها أن تصنع ؟؟؟

أسمائي .. أحبك من كل قلبي
فلتقبليني أختا ً لك ِ في الله :-D

:)




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.
أكتبُ لا لأنتصرَ على تصحُّرِ الورقْ.. إنما لأسلمَ من احتضارِ يُسرايْ.. يدي التي تكذبُ عليَّ دائماً... لكني مُرغمةً أُصدَّقُها!!!