ثرثارة.. و الصدى يدقُّ مسامير تردداتهِ على جدران الدهشةِ في وجهي و يتركُ آثاره العميقة ليراها الآخرون دون مجاهر أو نظاراتٍ طبية.. ثرثارة.. في كل الأوقات؛ وكان حينها معي في الطريق الرئيسي للبيت، الصراصير تنبعث من صرير الخوف في قلبي، و تملأ الشوارع والأزقة.. الليل متمادياً في إطباقهِ على الأضواء فيصيب كل شيء بالحلكة.. و الظلال التي تشكِّلنا تتبرّأ منا في تلك اللحظة و تركضُ تركضُ فاردةً شعرها الغجري، خالعةً خُفَّها ذي الإصبع لتكون حافيةً و هي تمسحُ ما كان ورائنا من أمكنةٍ قطعناها بحبال من الصمت الثقيل، الصمت الذي يوازي حدّ الثرثرة التي تميّز الشبيهات هُنا.. وحدها الخُطى.. كانت تثرثر دون أن يؤلمها أحدٌ بقَرصةٍ أو تنبيه، كانت تنتهجُ موسيقاها و تطرَبُ بها، دون أن تقيس المسافةَ بين احتمال الآذان التي تنصت في هدأت الليل إليها والآذان التي أضجرها الكلام.. كان الوقت الذي انتهجهُ للكلام محدداً "ساعةً واحدةً فقط" ثمّ يسكت بحياد! كأنما لا أحرف جديدة تصيغ لغةً محكية.. يصمت ليدعَ غيوم الأقاويل تحوم حولي كشياطين وأشباح تختالُ في مجوني و تعجُّ رأسي بقيلٍ و قال و صمتٍ مبحوحٍ كفراغ! يصمتُ بثرثرةِ الساعةِ في وسط الحائط الذي يُقيم الغرفةَ، بثرثرةِ الدم في عروق كلينا، بثرثرةِ الداخل التي لا تتوقف كالوجع الخَلْقي في جسد كل إنسان مذ بُعِثَ حتى يموت، بثرثرةِ أسئلتي التي غفت شاحبة في صدري فأعطتهُ شعوراً بالورم. لم يكن الأمر سهلاً، أن يخصص وقتاً للكلام، و أن يلتزم بما أراد!.. لكني لم ألتزم يوماً بما أريد، كنت أسرق من مساحات حريتي مع نفسي بعض الوقت، كنت آخذ من عمري أوقاتاً إضافية لأتكلم بما أريد و أتخلّص من شحنات الكلمات المكهربة في حلقي، حتى و إن اكتفيتُ بسماعها وحدي، كأن أتكلم أثناء نومي، و هذا ما كان يحدث غالباً بعد أن يلتزم بما أراد، و لا ألتزم أنا بما أريد.. "الكلمات كبيرة، أعمارها أكبر من الوقت!" استنتجتُ ذلك من كل محاولاتي في أن أنتهي من فكرةٍ تثيرني في وقته المحدد، الوقت يُسرع في الانتهاء! و أنا أكون في السطر الأول من الكلام.. حيث تصير كل الأسطر الأخرى مساحات شاسعة من الصمم، أصبح بكماء مرتدة عن ذاتي إلى ذاتي، أهوي من ثقبٍ إلى آخر في جدرانِ حيرتي، فأصلُ إلى حيث الصمت المدقع الذي تنطلقُ من جوفهِ كل الأصوات بأعنف مما يحتمل، و بأشهى مما ترقصهُ الخطى في عبورها من قارعةٍ إلى أخرى في شارعٍ ما و هي تثرثرُ بأعصابٍ من حرية غير محددة بوقت.. كان الأمر يقتضي ساعاتٍ كاملة من الصمت! لم أكن بالتي تحسن الالتزام بذلك.. ثرثارة من منظوره الشخصي، منظومتي تقول أني عاديّة! أحب الكلام عن أي شيء حدث لي، أو أمامي أو خلفي أو معي، إليه، أحب أن أفتعل الحديث، و يحب أن يفتعل الصمت.. فيما ردة الفعل الخانقة تعتمر جلدي بعروق حميراء صغيرة، يعتمر وجهه بابتسامةٍ تنقلبُ إلى قهقهةٍ صاخبة تهز أركان أُذُنَيْ، و يتطرَّقُ بعدها إلى مواضيعَ كثيرة تصيبني بالدهشةِ حدَّ أن أفغر فمي وأبحلق عينَي بما يتقوله من حديث.. أجذبُ حبال صمتي بعناءٍ مُلاحَظ، و أتركهُ نائماً يكمل ما لم ينهيهِ من قصص لم أعد أسمعها...
أضف تعليقا
اختي الكريمة أسماء
تحية معطرة
قلم جميل وكبير
وكلمات لا تتفوق على غيرها وحسب
بل تتفوق نفسها دوما وأبدا
حيث نريد التميز ، نجده هنا
وحيث نرغب أن نقطف من قراءاتنا الكثيرة باقة ياسمين تزين مرور أعيننا على عشرات الألوف من الأسطر هنا وهناك. فلنقطفها من هنا
دام قلمك جوادا ..
دمتِ بخير
تحياتي
اخوك
د.ياسر
رئيس تحرير مجلة جلنار
عبد الحليم
وإن كان الوقت أوسع من فواصل كلماتنا
سأتخذ زاويةً في أقصى القلب وأصيح بكل ما أريده من نجوى إليك..
و أملأ أذنيك بالياسمين الذي أجمعه لكَ من هنا، من حلب حيث الشوارع أكثر ازدحاماً به من قلبي..
تحيَّتي
تنويه...
هناك تعليقات يكتبها آخرون على بعض المقالات التي أنشرها هنا في مدونتي "أم اليُمْن" ولا أنشرها احتفاظا مني على كينونتها..
بعض التعليقات الخاصة والتي يريد مني اصحابها نشرها أشكر لهم كلماتهم التي تثري ما أكتب وتدفعني للمزيد من التقدم بإذن الله وأشكر لهم تواصلهم، إنما أود الاحتفاظ بها و لا أتجاهلها كما يظن البعض.. لأسباب لا تخص الكاتب نفسه..
كل التعليقات أقرؤها وأرحب بها، حتى وإن لم انشرها فهي محط الاهتمام مني..
أشكر كل من أخطأ في عبوره من هنا أو قادته عيناه إلى لغتي فقرأني و ترك لي شيئا من تعليق..
أسماء الحسنى
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













من الأردن
أسمائي لست ثرثارة ، أعدك أن نتكلم بالفكرة التي تثيرك ، لكن اذا كان هناك وقت كـــــــــاف للكلام!!! لأنه بالفعل الكلمات كبيرة وأعمارها اكبر من الوقت.