تزامن مروري مع مرور باص ضاحية الرشيد في الشارع الذي ما عاد شارعاً للمشاة بل تجمعاً لحصى البناء وتلال الرمل المتروكة من شاحنةٍ تقيّأتها .. و أقدام عمّالٍ يبنونَ عمارة، و يسحقون الطريق الذي كان طريقاً من أشجارٍ و قططَ و عصافير.. النهار متشائماً بدا في أول الطريق.. رطباً حدّ اللزوجة.. غبارياً أصفرَ كاكتئابٍ صريعٍ في زاويةٍ مظلمة.. أنا لم يُشعرنِ ذلك بالتشاؤم، هو غطس به الشعور حتى ذقنه و ابتلّت شعيرات لحيته بأدران التشاؤم وصار لصوتهِ رائحة الغبار و لشَعرهِ لونه و قشرةٌ ادّعى أنها من حالتهِ النفسية! الباص الذي يتزامن مع مروري يومياً في ذات الشارع أثار حفيظتي في أنه يقصدني! ليس الباص بل القدَر، قدَري!! أيسخرُ مني كل يوم..؟ حتى إن تأخرتُ يتأخر الباص، و إن أبكرتُ يُبكر!! أحياناً أقرر أن أسلك الطريق الفرعي الذي لا يمر به الباص لكنه يطل على الطريق العام.. و حين أتوازى معه أسمع صوت محرك الباص، كأنه يسخر من حيلتي و يزيدني غيظاً من قدَري!! نهار اليوم ليس حسن المزاج، مزاجي اليوم حيادي كأوراق الخريف! حاد، جاف، لا مبالٍ.. أستعرض الشارع، أترك الأرصفةَ المسحوقة الأشجار، الضيّقة بالمارة، و أنعطفُ مع الطريق.. كسيارةٍ قديمةٍ تسير بسرعةٍ متغيرة تَبعاً لزيتها و أفكارها المتشدّقة بما يحدث حولها من نزوات النهار الذي كان للآن متمرداً على كل شيء، ربما حتى على نفسه! في المساء انصرف النهار دون أن يصبغ وجهي بلونه، نظرتُ في المرآة.. كنتُ ما أزالُ أنا! و كان هو لم يزل هو.. مع أنه مصبوغٌ بلون المساء الذي أتى!!.. هناك أناس لهم القدرة على التصبغ بكل الألوان.. لم أستطع تغيير صبغتي فأُصِبْتُ بالفضيحة.. هو استطاع فلم يظهر عليه عارض الصيف.. كنتُ صافيةً كشتاء.. مفضوحةً بي.. كان بماهيةٍ مُتقلِّبة كنهارات المدينة التي تقطن ذاكرتي في غيابه.. كنتُ أشتكي من استمرار كوابيس الغبار في رأسي، حتى أن حساسيةَ الشعور تتنقطُ على وجهي بلونٍ بنفسجي.. كان نائماً باطمئنان طفل.. له ملامحه و أحلامه و هدوئه.. لا شيء على وجهه يفضحه سواي! نام النهارُ كما استيقظ، متشائماً.. بعد أن أخذ حبوباً منومة، ربما لم تكن كذلك لكنها كانت تعطيه شعوراً بالاسترخاء، فنام باكراً.. سهرتُ على الشرفةِ وحدي.. زهر الليل يطلق رائحته إلى أنفي.. الرائحة تضلّ طريقها و تذهب لأنوف آخرين.. لم أتشاءم، لم أعطس من رائحةِ الغبار التي لم تضل طريقها إلى أنفي.. الطريق كان يظهر من شرفتي نائماً أيضاً.. لا أُناس و لا سيارات.. و لا باص ضاحية الرشيد!

jpg
(1) تعليقات
* إلى جيران مع كل باقات الورد و الكلمات؛ بعيداً عن فواصل الشكر و حروف العرفان أتقدم و مدونتي بشكر القائمين على جيران ابتداءً من الأخت "حلا طه" الصديقة العزيزة – صاحبة مدونة رؤى – و انتهاءً بمركز الدعم الفني الذين أصلحوا لي العطل الذي أوقف مدونتي لما يزيد عن الشهرين.. و أعاد مدونتي لمسارها الذي أُنشأت من أجله؛ حيث سيتسنى لي الكتابة هُنا، و يتسنى للقراء و الذين تغريهم الكلمات بالقراءة و الاطلاع على نتاجي الأدبي المتواضع.. شكراً لكل مَن مرَّ من هنا و لو سهواً.. شكراً لأولئك الذين بنوا من حروفي أقماراً و قهروا ظلماء الكلمات ليروا الطرق التي خططتها خلف أوهام خواطري.. و شكراً لجيران مراتٍ عدة على استجابتها و احتوائها لشعث مَن هم مثلي.. و شكراً لي لأني ما زلتُ أريد أن أنضحَ بما فاض عن أسمائي من أقاويل و بقية.. أمُّ اليُمْن..
<<الصفحة الرئيسية








