لم أكن أعي تماماً أن الوقت سيمتدُ بي إلى هذا الحد، ما حكايتي مع الزمن؟ أريد أن أشعر بالانفلات من عقاربهِ و دقّاتهِ الرتيبة..إلى الفوضى، العالم الأشعث، الكارثي، الممطر بالجنون، و المتفق كيفما كان مع مزاج الحياة التي تعتاش على أنفاسي لا أنا.. كلما أبقيتُ رمقاً لحكايةٍ جديدة و بعض أمل، استرقَ الوقتُ كل هنيهات الفرح، و أدركني بسرعةٍ خارقةٍ بخيبة!! هذه المرة الخيبةُ تختلف، لم يصفعني بها أحدهم، لم تصدمني في الشارع، أو تتبعني على الرصيف، لم تأتني في البريد، أو في الحدس الفطري الذي يتساوى فيه القلبُ مع باقي الكائنات، إنما ارتدت من جدران الوقتِ في داخلي، رنّت ساعتها البيولوجية دون ضبطٍ، و في غير توقيتٍ مقدَّر! أدركَتْني بتلاحقِ الأقدامِ اللاجئةِ إلى اليابسة من فيضانٍ محتَّم، من هلاكٍ لا أدري نهايتهُ الأخيرة، بدأتُ أعي مقدار حِملها على صمتي، و أشعر باليُتم عن نفسي، عن أنت! عن قلمي.. فاليوم، خرجتُ من بيتي بعد صوتكَ و رسالتكَ التي أغنتني عن فنجانِ قهوتي الصباحية؛ تحملني قطرات المطر التي لم تنتهِ من انفراطها الكثيفِ من عينِ السماءِ البعيدة، تُغطَّيني قُبَّعةُ الكلمات لتحميني من بردها الذي يتصاعدُ قارصاً في العظمِ و ناخراً في النخاع.. عجلى.. أخذتُ بعضي، للعمل، نسيتُ دفتري و قلمي، كأول مرةٍ أتحرر فيها من الكتابة، لم أشعر بعبوديَّتها حتى اللحظة، خِلتها تريدُ أن تتوالدَ فيَّ، و لستُ بالمتَّسِعَةِ لأسَعَ كلَّ أولادها المشاكسينَ المتمردينَ على جيناتهم، المتحررينَ من أرضها إلى رأسي، فأفرغتُها دون ترتيبٍ للحاسوبِ الذي يتملقُ في قبولها، تبعاً لبطءِ إدراجها فيه.. كان اليُتم عن كلماتي و عنكَ هذا الصباح فطوري الذي أعاد لي شهيةَ الوحدة... المكانُ خالٍ من مرضى، و الطقس ممعنٌ في الكآبةِ؛ من غيوم فبراير... و أنا أسيرُ في الشوارعِ وحيدة، من المطر الذي يعلقُ في لباسي و أطرافي، يتشدَّقُ بي! يلعقُ جفافَ الانتظار الذي بدأ بالتشقُّقِ أخاديداً في روحٍ لا يلزمها إلا مطر!.. "صباحُكِ أنتِ يا قلبي!" و يُكمِلُ الصباحُ أغنيتهُ من فوقِ روحي المتعبة، و بحدّةٍ يغمرني بالبهجةِ، حدَّ الغبطة.. الصباحُ يتسلَّلُ من سريرِ الحلمِ خلسةً، يكتبُ كلماتٍ دون أن يبتدع الكتابة.. بأبجديةِ البدايةِ و عنفها، يخطُّ حشدَ روحهِ المليئة بالفوضى التي أريد، دون قافيةٍ أو تنسيقٍ، يركضُ بالمطر، يقع، يتعثَّر، يضحكُ مُقهقهاً كلَّ الأسماءِ التي باتت أنتْ.. يسبقني حتى نهاية الشارع، و عند المنعطف يملئ وجهي بالماء.. و يعصفُ كأولِ الحبِّ غزيراً.. يُلغي الوقت الذي تُنحَرُ على روتينهِ آمالي، و يعيثُ غريباً، مثلكَ، في وطنِ الكلماتْ يمتدُّ الوقتُ من راحتيَّ الصغيرتينِ، يعانقُ أقدارَ الغيمِ المنهَكِ أرقاً، لم يبكِ هباءً، لم يأتِ هباءً، لم يشهد كلَّ طقوسِ الناسِ؛ حين تكاثرَ في العراءِ، و اختبئوا وراء النوافذِ مجفَّفينَ، و أنا أتبللُ وحدي.. مُصابةٌ بالمطر، فاحذروني! يا آلاتِ البشر، و كفوا أيديكم عن ورقي، بحرٌ ورقي، ملحٌ قلمي.. و أنا أتحرَّفُ في كل اللغاتِ كي أكتبَ مأوى.. آوي للموجِ الخافِقِ في أرديةِ الصبحِ، عبرَ بريدٍ، أو صوتٍ أو همسٍ من أنتَ.. أُطلِقُ الزوايا ، أَبريها ، تتخلَّقُ متشردةً خلفَ رؤاكَ الآتيةِ، لا تَمَلُّ إذ يُثقِلُها الوقتُ بقارعةِ مكوثٍ، فالزبدُ سيبلى في غير قرارٍ... و ستبقى العالقةُ الـ أنا في القعرِ محاراً للحبِّ، للمطرِ الخائفِ من شمسٍ تتنهدُ في ذاتِ الوقتِ، قبل وصولِهِ دمعاً لأرضِ الأرقِ الطينيِّ، يتبخر، يبقى حراً، يتلاشى من حريةِ موتٍ.. و الموتُ هُنا عبدٌ مأمورٌ، ككُلِّ المأمورينَ في عجلاتِ الوقتِ، ككُلِّ الذين يسيرون كما شاءَ الهوا، و لا يحاولونَ الجُنحَ للفوضى، حيثُ الحريةُ أنقى موتاً، و أسطع شمساً.. مُصابةٌ بالمطر.. فاحذروني يا أشباهَ البشر.. و دعوني، وحدي، أتألمْ و لا تحزن آ أنتَ؟! سآخذكَ معي، بحراً.. ماءً للعُمرِ المتقدِّدِ انتظاراً.. و إياكم أن تتبعونا.. لا تهديداً، أو احتقاناً من روتينكم الأخرق.. الأربعاء/ 7 فبراير 2007م
.
.
السبت, 10 فبراير, 2007
إنما أخافُ عليكُمُ؛ العَدوى!
الحُسنى؛ أسماء

jpg
(6) تعليقات
أضف تعليقا
اضيف في 10 فبراير, 2007 10:56 ص , من قبل حسّان
لم استطع أن أغادر مجازفتك دون أن أقول لك : بل سنكون معك ، لن نتركك تقتنصين قناديل المطر وحدك ، وسأعزف لك أصواتا لم أتقنها من قبل .
كلما هربنا من الكتابة ، ننزلق في معاناة لا يخرجنا منها سوى كلمات تضيء كوة للأمل جديدة.
لك صباحات المطر والفرح و ...
اضيف في 13 فبراير, 2007 09:42 ص , من قبل إيناس
من الأردن
من الأردن

حبيبتي أسماء:
رائعة كما كنت دائما،اطمئني..رغم كل شيء ما زلت أحمل بعضا منك ...
ما زلت أعيد في حضرة الغياب..
أشتاقك..
Nesaba
اضيف في 16 فبراير, 2007 02:14 م , من قبل neena
من الأردن
من الأردن

كنت وما زلت وستبقي أسمائي التي أحبها و أحترمها و أعتيرها قدوة كل كاتب و شاعر و محب... أحبك جدا جدا جدا
حبووووووبتي انتي | (:
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









من الولايات المتحدة
مصابة بالمطر... فاحذروني..
و الله يا اسماء.. كأنكي تمزقي كلماتك عنوة من عطف القلوب.. و دموع السهر..
يا آلات البشر..
كفّوا ايديكم [و عيونكم] عن احلامي و آمالي .. و كذبي الحميم.. و دمع ايامي الصاخب بحنان القدر
استمري .. دائما .. منهمرة .. بكلمات تحيي الأرض البور جنانا ..
اخجلت العظام تألقا.. و اتنبأ لك اللحاق بركبهم ..