أُمُّ اليُمنْ
يمَّمْتُ شطر الحزنِ يوماً..فيمَّمت كلُّ أيامي ورائي!
.
.

لأنَّها فِكْرَة

 
لأنكَ تحبُّ أن تجلسَ في الشارعِ حين نأكلُ "الفلافل"..

و لأنَّ الأرصفةَ، غالباً، مُكتظةً بالناسِ و المتسولينَ و الجفافِ الزائدْ

سأرصِفُ لكَ الغيْم..

لنجلسَ معاً

و نُدَلِّي أقدامَنا من أطرافِها، كطفلَيْنِ..

و نأكلَ "الفلافل"؛

بعيداً عن كلِّ هؤلاء...!

 

* * *

 

لأنّ النزولَ للأسفلِ لا يتطلَّبُ عناءً؛ مجرَّدُ دحرجةٍ سريعةٍ مع جَذْبِ الأرض!

و الصعودَ يحتاجُ جَذْباً سماوِيّاً لتصِل!

إياكَ أنْ تستخدمَ المصعدَ لتبلُغَ القِمَّةَ.....

فما يأتي بسهولةٍ، يذهبُ بلَمْحِ البَصَرْ

.. لكني أتساءل: أيهما أشدُّ جذباً، الأرض أم إرادتُكْ؟!!

 

* * *

 

لأنّ الحبَّ في هذا الزمنِ الرديءِ

أصبحَ مقياساً للحضورِ و الغيابْ

و لأنَّ الصمتَ أُحجيةٌ لا يُتقنها إلا الفقراءُ

من الذين حقَّت عليهم أوبئةُ العشقِ الفاسدة..

سأحبُّكَ؛ بملءِ الهواءِ زفيراً

و بكلِّ أحرُفِ اللغةِ الباقِية..

 

* * *

 

لأنَّ الصباحَ أنتْ

و أنتَ لونُ الوطنِ البرتقاليِّ الحنينْ

سأُلوِّنُ كلَّ أحلامكَ بماءِ الوردِ

و سأهذي

أهذي

أهذي

حتى تُشرقَ في صباحي كاملاً

-تماماً-

كقُرصِ عَسَلْ!

 

* * *

 

لأني أُحِبُّ الحُبَّ يُثلِجُ غُربتي بفَضاءٍ رائقْ

سأستفيضُ نهراً من فؤادي

حتى العَدَمْ

و أصيرُ في فؤادِكَ نهراً.. عاصي!

 

 

 

الخميس 18 كانون الثاني 2007م

 

 


JPEG
(18) تعليقات

الخُرافَـة

. . .  

كما هي الأشياءُ ما زالت، تلبِسُ وِشاحَ غُربةٍ مليءٍ بالثقوب، و التينةُ عند طرفِ الرصيفِ الذي ينتهي إليهِ الطريقُ لها عرُيُّ البرد، و رائحةُ ما بعد المطر التي تُرعِشُها بجفافِ سماءٍ لم تبكِ؛ نحيباً يُفرِغُ كلَّ شحناتِ الأرقِ على منافضِ الأرض، و ينقُرُ على دفوفِ خدودها روائعَ حكاياتهِ و ألحانَ ضبابهِ الغارِقِ في تفسيراتٍ شتَّى؛ تحملُ ما استطاعتْ من هرتقاتٍ تُؤجِّجُ هذا الفؤاد المائلِ للشحوبِ و السَّأَمِ و الاصفرارِ كأوراقي التي تُعجبني حدَّ غيظِ الورقِ الأبيضِ من حرمانهِ حقَّ الاحتفاظِ بما أكتُبْ..

 

دوماً، كانت لي رائحةُ الورق!

 

المُصفَرِّ؛ كالكتبِ التي رأيتُها على رفوفِ مكتبةٍ يُقالُ أنها ما تبقَّى من أبي، مكتبةٌ تسندُ جدارينِ في بيتِ جدِّيَ العربيّ؛ كان البيتُ مُتَّسِعَ الزوايا، إلا أنها _ تلك المكتبة التي حملَتْ رائحتي منذ أكثر من قرن _ كانت بالنسبةِ لي هي بيتُ جدِّي!

هذه الرائحة التي تُزكِّمُ الأنوفَ بتاريخٍ من غُبار، و حِبرٍ من دُواةٍ باتت تحفةً في بيتِ أحدِ الأحفادِ؛ كانت رائحتي.. أُنثى الورق؛

لي انبساطُ الصفحاتِ و تَسطُّرِها بالغربةِ اللامتناهيةِ الحدود، و حروفها المُشتقَّةِ من أبجديةِ حضارةٍ نُسِخَتْ؛ إثرَ حضارةٍ باتت تدَّعي حداثةَ مفرداتها و صياغاتها لكلماتٍ لم يعترف بها الأدبُ للآنَ، و لم تُضبَطَ في حافَّتيْنِ تُخلِّدانِ عصيانها الثوريِّ على قواعدِ اللغةِ و دساتيرِ الأدبِ بحاجةِ مَنْ اكتشَفَ أرضاً ثانيةً و أخذَ يدورُ في أفلاكها شمساً و قمراً.. و يتناوبُ على أيّامهِ ليتدحرجَ في آخرِ الأمرِ مُنهَكاً؛ صريعَ أرضِهِ وعثرةِ جنونِهِ..

وَدِدتُ لو كانت لي تلك الأرضُ الخاوية.. لأصرخَ بها كما فعل "حلّاق الملك" عندما انتفَخَتْ بطنهُ من صمتٍ ثقيلٍ بَنا ما شاءَ من صخورٍ في بُلعومهِ و أعياهُ بالكتمان..

" أُذُنا الحاكِمِ طويلتااااااانْ "...، هل سُرَّ عندما أشاعَ سِرَّاً كاد يقتُلُه؟! و ماذا ضرَّهُ إذ كانت أُذُنا الحاكمِ طويلتيْنِ أم قصيرتيْنِ؟!!..

وددتُ لو صرختُ مثلهُ من عبءِ ما أحملُ من خَفقاتٍ تُزاولُ نبضَ قلبي عِوَضاً عن خفقهِ الطبيعي، و تخنقُ تدفُّقَ الحديثِ في حلْقي ليصِلَ مكتوماً مبحوحاً كزفيرِ محتضِرَةٍ حين أتكلَّم..

" أُذُنا الحاكمِ طويلتانْ، كأُذُنَي حِمااار "...

هل ستُزالُ طبقاتُ الإسمنتِ من جوفي إذ أصرخُ بما قالهُ حلاق الملك؟!

لا سِرَّ عندي يخنقني و ينفخُ لي أحشائي و يؤرِّقُ وِسادَتي بشَعري و تقلُّبي بين الجدارِ و بين الجدار، إنما هو البناءُ في الجوفِ الأخرقِ يزدادُ تصلُّباً و قسوة..

لم أدرِ من أيِّ دفءٍ يجفُّ و يتماسك؟ هل الجُملةُ هي التي أراحتهُ إذ صرخَ بها، و بصقَها من جوفهِ كما يبصُقُ لقمةً غير سائغة؟ أم أنَّ الرغبةَ في الصراخِ هي التي أعادتهُ كما الأشياءُ؛ مُختزَلاً بأفكارِ حياةٍ تنبضُ في خافقهِ، و سترتخي حدَّ الحريةِ لصفحةِ هواءٍ؛ و تنتهي بهدوء؟...

 

دوماً، عشتُ على حافَّةِ الأشياءِ أُنثى خوف!

 

أنجبني المنفى، حين ذات كانون رُزِقتُ بالحياة، فأخذَتْ تتمدَّدُ في مساحتي الضئيلةِ المحتلَّةِ كأرضٍ تستعدُّ للمطر.. و تتنهَّدُ بندى صباحٍ يحملُ لونَ فجرٍ لازورديٍّ مُتخَمٍ بأقدارٍ طويلةِ البالِ، تنفُضُ غُباريَ ذرَّةً ذرَّة، لم نتّفق حتى اللحظة على أكثرَ من ذلك؛ فلستُ بالعَجُولَة، و ليست هي تمَلُّ فتنثُرُ ما تبقَّى من أغبرةٍ في وجهي " لأعطُسَها " و تنتهي من صفحاتي كلُّ الأسماءِ، المتبقّية..

لي ملامحُ شتاء، و لونُ المطرِ البعيدِ قبل أن يطأَ القيعان، و صوتُ الرعشةِ الأولى التي تطلقها الأطيانُ البشريةُ عندما يبدأُ موسمُ البلل..

لم يكن في سريرتي ما يُروى.. كباقي الغُرباءِ مُتشابهي التفاصيل؛ لا حزنٌ واضحٌ، لا فرحُ واضحٌ، كلُّ شيءٍ مؤجَّل، و كلُّ شيءٍ مؤقَّت؛ منزلٌ.. محتوياتُ منزل.. أُسرةٌ، كلُّ فردٍ فيها له وِجهةٌ كأنما توالدتِ الجهاتُ أعداداً لا نهائيَّةً من الأماكنِ في بُقعةٍ واحدة!.. وطنٌ مؤقَّتٌ.. أصدقاءٌ.. تفاصيلُ يومية.. طُرُقاتٍ.. عملٌ بدونِ وثائقَ رسمية؛ فالغرباء أيضاً لا رسميّةَ في معاملاتهم و لا في طريقتهم في اللّباسِ أو الأكلِ أو النومِ أو الكلامِ، لذلك لم أكن لأصدِّق عند حدودِ أيَّةِ دولةٍ أعبرها، حين يختمُ الشرطيُّ في بابِ القُدومِ جوازَ سَفري " أهلاً بكِ في وطنِكْ "، لم أكن لأصدِّقَ أنَّ الوطنَ يرحلُ مثلي و يزاولُ الغربةَ مثلي و يستقبلني عند الحدودِ، فأكتفي بابتسامةٍ أظنّها تسخرُ مني أكثرَ من سُخريتها من كلمات الترحيبِ المحشوَّةِ بشوكولا مُرَّةٍ للغاية!!!

مع أنَّ الشوكولا المُرَّة هي نوعيَ المفضَّل، فالخوف من حلاوةِ ما حولي يعطيني شعوراً بالغُصّة!!

هل يغصُّ السُكَّرُ في حلقِ الغرباء؟ طبعاً! بل حتماً.. كالسفرجَلْ؛ التُّفاحةُ التي تأكُلُكِ، لا أنتِ!

 

دوماً، كان للمَرار طعمٌ لذيذٌ في حياتي..

 

قهوتي المُرَّة، و صفحاتٌ من تاريخِ أسماءٍ طُبِعتْ في محفوظاتِ الذاكرة... كان لي بعد كلّ مَرَّةٍ أتمَرْمَرُ فيها بي، انتصار. و توجُّهٌ جديدٌ في عُبابِ الأغوارِ المُلتفَّةِ حولي كطوْقِ نجاةٍ، لم أُحدِّد أو لم أستطع تحديدَ مَن منّا يتّخِذُ الآخَرَ طوْقاً للنجاةِ أنا؟ أم تجاربي؟!!

كان لي انتصارٌ أُعلِّقْهُ على ساريةِ غُربتي المعقوفة.. أُلقي عليهِ تحيّةَ الصباحِ والمساء، فيفتِلُ شاربَهُ نشوةً من سلامي، و رحمةً بإصراري على أنهُ فوزٌ و ما هو إلا خيبة!

كنتُ أُدركُ أنَّ شيئاً ينتهي من جداولِ حساباتي التي يتقنها القَدَرُ و لا أُجيدها أنا، ليحِلَّ مكانهُ عهدٌ آخَرَ من جيوشِ المشاهدِ و الحواراتِ و الصُّدَفِ التي تَهيمُ على وجهها في شوارعِ الفقدِ و حينَ تجِدُني تُربِكُني، كأنما أمضتِ العُمرَ بحثاً عنّي! و هي لم تكن غير تائهةٍ عن صحائفِ عِبادٍ لم تُدركهم، فتسوَّلَتْ على كلماتي لأكتُبَها في سطورٍ نظيفة، و أَحارَ في مكنونها اللغويّ؛ كيفَ تشتقُّ من مُضارِعِ الغَفوةِ القلبيَّةِ عِشقاً سوف يصحو و يبقى في مُضارَعَةٍ دائمة؟ كيفَ تُعرِبُ عن ألَقٍ في صوتِ اللَّفظِ و هو الذي يُحَسُّ و لا يُقرَأْ؟.... و كيفَ تُوافِقُ بين اسمي أنا، و عناوينِ الجدرانِ و الأوطانِ و الكائناتِ و الجِباهِ المتموّجة العرْضِ بخيطٍ طفيفِ السَّماكةِ قاسي الثباتِ كأصلِ آدم؟!!..

 

دوماً، قاموسُ اللغةِ كان مُترَعَاً في جيْبي!

 

- ليس هناكَ ما يميِّزُ امرأةً غيرَ العابرين..

العابرونَ في الشارع، و تضحكُ هي من ترجمةِ الهواءِ لوجوههم، و تُكمِلُ طريقها شائكةَ التعابير؛ وردةٌ لها معطفٌ من شوكِ الترابِ و فروِ الوحدةِ البارد..تغزوها المونولوجات الداخليّة، و أسرار الأصابع المبعثرة، و عروق الدم على الجلد الميِّتْ، و الأظافر...

وحدها كانت تستنبط لغةً أُخرى، غير محكيَّة، بأسلاكٍ هُلاميّة، و لواقِطَ من أقمارِ الحُسْنِ العفيفِ، تجمعُ بياناتِ العابرينَ لتمسَخَها على ورقِ أُنوثتها، و تكون الكلمة الوحيدة التي تجمعها بالعابرينَ في الطرقاتِ هي هيَ! -

العابرونَ في دبيبٍ منتظَمٍ كدبابيرَ ستُغيرُ على حقلٍ من زهور، يبدؤونَ في الخروجِ من خلاياهم، واحداً واحداً، و تعودُ الأرضُ خاليةً، خاويةً على عُروشها، كأنْ لم يَغْنَوا فيها، و أعودُ امرأةً وحدي...

فأتذكّرُ حلاقَ الملك، و كأني به أراهُ يصرُخُ في جوفي: " أُذُنا الحاكمِ طويلتان، كأُذُنَي حِمار ".

فأرهَبُ جسدي! هل بات الطينُ في تركيبي أرضاً خاويةً له؟..

ما سِرُّ قلبهِ الذي انتفخَ حدَّ الانفجارِ و ما عادَ يحتمل..؟!

و أينَ اللغةُ لتُنقِذَني؟ فتصِفُ ما أنا فيهِ من حَرَجٍ و تنطقُ بما يُبنى من بيوتٍ في الأرضِ الخالية..

دوماً، كانت لي بداياتٌ و لم أصِلْ لنهايةٍ تُنصفني...

 

و عدتُ لحرفِ الألِفْ.. للرقمِ الواحدِ.. للصفحةِ.. للبدءِ، لأمشي كأيما امرأةٍ خرجَتْ على هديرٍ مُضاءٍ بشوقِ ما كان..

؛ ؛ ؛

في مثلِ اليوم، ذات كانون.. بُعِثْتُ، و بُعِثَتْ من بعديَ، أوراقي! و بُعِثَتْ من أقداري عيْناهُ..
 

" في البدءِ، لم يكُنْ غير عينيكَ يحكي..

ثمَّ تعلَّمَتْ البشريَّةُ من بعدِكَ، مضْغَ الكلااام "
 
أتُراني الآنَ شَبُهْتُ بحلَّاقِ الملِكْ؟.. و أيُّ ملِكْ؟!!...
 

 ؛

أسماؤك
 

 


jpeg
(14) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية
.
.
أكتبُ لا لأنتصرَ على تصحُّرِ الورقْ.. إنما لأسلمَ من احتضارِ يُسرايْ.. يدي التي تكذبُ عليَّ دائماً... لكني مُرغمةً أُصدَّقُها!!!