أُمُّ اليُمنْ
يمَّمْتُ شطر الحزنِ يوماً..فيمَّمت كلُّ أيامي ورائي!
.
.

كانون ثالث

وهناك حيث يرتطم الليل بالأفق.. تغفو المدينة وحيدة..
 
كانونٌ ثالثْ
 

أبدأُ من حيث يبدأ المارقون على جراحي .. كطريقٍ اعتادت أن ترسمه المدينة لعاشقيها.. لأُناسٍ يتحللون كلّ ليلٍ من قلوبهم ليناموا آمنين .. كشمعةٍ تذوي .. توغل في النشيج صامتة .. تهذي .. تنتفض .. تلثم الهواء الآسن وتهمُّ بالرحيل.. أكونُ أنا على أعتاب وجعٍ يمضي .. على حوافِّ منحدرٍ عميق .. أقِفُ .. قبل عشرين عاماً ليبدأ كُنْ .. بين حرفين من كانون .. أكون وأنتَ أيضاً تكون ..!!

 
اعتدتُ دائماً أن أُخيط نسج حكاياتي .. وأُرصِّعَهُ بالأسامي .. و أعلِّقُ على صدره عنواناً من ورق .. ثم أنشرها .. بلهاء تلك الحكاية .. على عجلة الزمن المرَّ تدور .. تنتهي وتبدأ بلا تغيير .. لكنها دائماً تبدأ في صدري و تنتهي فيه .. اعتدتُ أن أسير وحدي خلف أبراج الحالمين .. وأصنعُ مِبْضَعاً من خيبات القُدامى لأراه ينغرس في وجعي .. وحين كنتُ ألوذُ بعينيْكَ كنتُ دائماً أتعثّرُ بقيدي وأَقَعْ ..!
 
المدينة غاضبة .. شوارعها عارية .. أشجارها عارية .. وسماؤها غاضبة .. غيومها مثقلةٌ بالدموع .. كصرير ضعفي لحظة البداية..
 
تثقلني أسمائيَ الكثرى .. كامرأةٍ تبتاع خلاياها .. وتعرضُ جنونها القاتم .. كأرجوانةٍ سوداء .. كليلٍ في شتاءٍ قاحل .. لكنّ اسمكَ يثقلني أكثر .. كانونُ وتبدأ الآهات المريضة.. في عيون سلمى .. في شقائها .. في ضحكتها .. في جنونها .. في قيدها .. تبدأ كانونَ أغنيةً على جبين خيبتها العريضْ .. و يبدأ الآخرون رحلتهم من جرحها .. إلى جراحٍ في طريقها ..
 
وهناكَ.. حيث يعبرُ الراحلونْ .. جسرٌ معلّق .. وأفئدة أوطانٍ ذبيحة .. فهل كنتَ يوم رميتَهُم إليها؟ و هل أدركتَ أنها مضَتْ في المساء وحيدة؟ .. في الليالي التي عفّرتها أرجُلُ الراقصين على ندوبها.. و هل ملكتُ القوّةَ كي أدقَّ الأرضَ بانتفاضة الألم ..؟!

أنا الجثّة الهامدة .. الغريبة ..!

يالغبائي القاتلْ .. قاتلتي .. التي قالت يوماً :

" نحنُ مَن سلكَ طريقاً غير طريق الأمنيات .. وانغرَسَتْ أقدامنا الحافية في طين المدينة.. محكومٌ علينا أن نتهاوى كشُهبها في خيباتٍ شاهقة .. حدّ ارتفاع أغنياتنا .. حدّ اندثار أشواقنا .."

 

وصعدتُ مئذنةَ عِشقكَ وحيدة .. حتى بلغتُ القمّة .. وناديتُ في الناسِ والمطر ينادي من ورائي .. لكنهم نيام !!

 
ولكني ناديتُ بأعلى من البداية ::

.. عندما تُولَدُ عاشقاً فأنتَ منذورٌ للسقوط من أعلى ارتفاعٍ وصلْتَهْ ..

و بدأتُ رحلتي في التهاوي للقاع ..

.. متهاوية ..

أحملُ جنوني .. و أوراقي التي أينعتْ شوقاً إليكَ ..

و أحملُ خطايايَ التي رهن ضميرها أعيش ..

و لم أسأل كيف وصلتُ على قدماي .. ولم ينطلق صوتي ..

أمضي .. حيث مضى النائحون .. لعثرتي الأولى ..

لم أكن حمقاءَ .. فأعشق منذ الخيبة الأخيرة .. أستطيع وكانون يشهد أن أعترفْ .. بأني عشقتُ منذ اللحظة التي سبقت ولادتي ..!!

قبل ذلك كنتُ أعشق السكون .. وأعشق الليل الحالكَ بالظلمة .. وأعشق الدماءَ.. والشتاءَ ... ومضَتْ عشرون عاماً من ورائي وأصبح عمري عاميْن ..

والمسافةُ التي تمتدُّ عبر أميالٍ من أوردتي القاحلة .. تزداد .. لأمرَّها لاهثة .. في الحنين إليكَ .. إلى الكون الذي كان .. إلى بداية الحرف كُنْ !

كانونُ يُحرقُنا .. يَدمغُنا .. يفصلنا نصفَيْن .. كتوأميْنِ لم يجتمعا يوماً إلا في جوف الليل.. في صمت  المكان .. واحتضار اللقاء ..

يبدأ كانون حيث ينتهي آخر .. و تترامى أطراف الحكاية الشعثاء .. مَن يجمع أوزاري..؟ مَن يحملُ أسمائي ..؟ مَن يصبح أكبرَ من كانون ليعيدنا إلى نون النهاية .. نبكي .. نحزن .. نتألّم .. نتوجّع .. بصمت النهاية ..

بالنون التي تعشق السكون ..

 
البعض يشكي لي مرارة الشتاء ..

وأنا أراه فارغاً .. شمسهُ غبراءْ .. صباحهُ نزيف .. وليلهُ وجيف .. أشجانهُ جيفة .. أغانيه مخيفة .. لكنه كانون .. يعيدني رغماً عني لمقاطع البداية..!!

 
هي ذي الحياة .. عشرون سنة وآخرون .. هي ذي تلك الأشواق الكاذبة التي حتماً ستغتالني كي تنال مني ..

فأسألها أن تُبدلني بقميصٍ ترتديهِ في الشتاء .. بوردةٍ حمراءَ تفرشُ أقلامكَ الذابلة .. بدفترٍ تحفر عليه أغانيكَ البالية .. لكنها ترفض .. فأُفجَعْ !!

كعادتها في نفيي .. كعادتها في إثقالي بتفاصيلَ زائدة .. أحاولُ أن أتخلّصَ من جنوني الفائض .. كهذيانٍ خريفيّ ..!!

 
المدينةُ زاحفةٌ بالسكون .. والشتاء يحتويها كقَدَرٍ ليس منه هروب .. أركضُ حول أسئلتي التي بقيَتْ شاحبة و أُسمّي نفسي بأسماءَ جديدة .. بحروف ما عادت تُثقلها نُدَبُ الآخرين ..
كانونُ يبدأُ حيثُ أبدأُ الكتابة ..!!
 لأعودَ وحدي .. كالمدينة ..
في المساءِ غريبة ..!!!
 

كانون2003


jpeg
(6) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 12 مايو, 2006 12:34 ص , من قبل monera

سرنى ماقرات فى مدونتك الجميله

اتمى لك التوفيق

كما اتمنى زيارتك


http://monera.jeeran.com/ياسيدى/" target="_self">http://monera.jeeran.com/ياسيدى/ للخواطر

http://monera.jeeran.com
وهذه قصاصيه


ولك تحيتى واحترامى



اضيف في 12 مايو, 2006 10:27 ص , من قبل ن ب ر ا س
من بلجيكا

ليس كل ماينزفه قلم، عطــر
لكن
أن تستحي زهور أيول مكوثا على أعتاب عطرك.. هو ما يستحقه قلم عانقته أناملك..


اضيف في 12 مايو, 2006 02:21 م , من قبل أم اليُمن

أهلا بكِ منيرة صديقة ..
انتظري زيارتي سآتي لحظةً ما..
شكراً لأنكِ أنتِ!!!


اضيف في 12 مايو, 2006 02:23 م , من قبل أم اليُمن

أثريتني غاليتي الحبيبة..
وغمرتني بالعطر الفواح حتى آخر الكون!!
أتمنى لقاءك فقط..
شكراً لأنكِ أنتِ..


اضيف في 24 مايو, 2006 11:07 ص , من قبل عامر

مرحبا أسماء، أود فقط ان أخبرك بأنني رأيت كل بقاع الأرض بين سطورك ورأيت النجوم تدور في فلك أوراقك المزرقة بالحلم السماوي، يا ياقوتة حرف يا ماسة صوت يا اسماء


اضيف في 19 يونيو, 2006 09:46 م , من قبل BAYlouol

لقد لنا ذكريات كتلك التي مرت في كانون .
لقد كان كان كانونا نديا مفعما بالحيوية والنشاط .
لقد كانت مفعما بالرطوبة كالبطاطا المقلية المقشرة ...
انت تعلمين ما اقصد !!!!
لذلك ارجو عدم فهمي الخاطئ
ودمتي لاختك المحبة انتي لها!!
BAYlouol&SimSim




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.
أكتبُ لا لأنتصرَ على تصحُّرِ الورقْ.. إنما لأسلمَ من احتضارِ يُسرايْ.. يدي التي تكذبُ عليَّ دائماً... لكني مُرغمةً أُصدَّقُها!!!