أُمُّ اليُمنْ
يمَّمْتُ شطر الحزنِ يوماً..فيمَّمت كلُّ أيامي ورائي!
.
.

يأتي .. رغمَ كُلِّ شيء!

شيئاً فشيئاً أستسلمُ لتدفُّقِهِ في الوريدِ أزرَقاً أزرقاً بلا مُبالاةٍ استعرتُها لهذي القَبَساتِ من المدينةِ القديمةِ التي علَّمتني أهميَّةَ التاريخِ في التدوينِ المستطيرِ من أدمغةِ الشعوبِ الغافلةِ على مفارشَ باردةٍ لم تحتَمِ من هجماتِ الجليدِ الجافِّ إلا بحريرٍ مُلْتَصقٍ بجسدها النحيلِ لتَشَبُّعِهِ بالمطَرْ..

وأستطيرُ بسلامِ الحكماءِ في مَعزَلٍ عن الخَلْقِ مُتكاثفةَ الفؤادِ بنصفٍ مُعرَّجِ الحدودِ من قمَرٍ في السماءِ اللَّيْلكيَّةِ، كثيفاً كعَسَلْ!

 
خَوْفَ جِذْعٍ هَرِمَ بأوراقهِ الشابَّة، و هرِمَ بمكانهِ عديمِ الملامحِ، و هرِمَ بإصرارهِ على أنهُ أكثرُ من جذعٍ، أكثرُ من مجرَّدِ خشبةٍ ستُقتَطَعُ لأشياءَ قد تُحفَرُ إبقاءً على ذاكرة.. أو تُحرَقُ استنزافاً لذاكرةٍ كانت هوَ، أكونُ!.. الجذعَ المُتكاتِفَ اليديْنِ في حضورِ كانونْ...

ذاكرةُ التاريخِ القادمةِ إلى دفاترِ القَدَرْ.. و احتمالُ ما سيكونهُ الجِذْعُ تكونْ!

يتصعَّدُ في أدراجِ سَمائي برجولةِ بطلٍ مُنهزِمٍ من ملحمةٍ أُسطوريّة.. لهُ تقاطيعَ وجههِ اليابسة، له نظرتهُ الخارقة لم وراءَ القلوب، و له يدهُ الرؤوم.. الأصابِعُ ينقُصُها بعضُ التدليكِ و الأنفُ ينفُرُ عن وجهٍ كاملِ الدقائِقِ ليصيرَ ارستقراطيَّاً تماماً..
 
كانونُ.. الياقَةُ المزركَشَةُ لملابسي، و الحقيبةُ المائلةُ الكَتِفِ على كَتِفي، و الحكايةُ التي تبدأُ بقطرةِ مطَرٍ و أظُنُّها لا تنتهي إلا بآكاليلِ ياسمينٍ – سريعةِ العَطَبِ – على قبر!!.. يتخلَّلُها حَفْلٌ من شرابِ التُّوتِ – سريعِ العَطَبِ هو أيضاً – عند أوّلِ بائعٍ لم يَدْعُني بعيْنَيَّ؛ إذ لم يستوقِفْهُ حُزني.. حين فاضَتْ عربَتُهُ بما هو أكثرُ من لُّعابِ جَفنيَّ أرَقاً و حُزناً...

الياسمينُ ينتهي لرائحة.. الرائحةُ تصبحُ تاريخاً.. التاريخُ يتجوَّفُ أسطُرَ المارقينَ على شواهِدِ المدينةِ القديمةِ بعُنفِ مَنْ لهُ أحقيَّةُ السيادة..

التاريخُ فوضى أفكارٍ هزمها أصحابها بصلْبِها على الورقْ.. و الورقُ تذاكرَ مدفوعةَ الأجرِ إلى حياةٍ تكونُ و لا نكونْ..

*     *     *     *     *

شيئاً فشيئاً أتسَحَّبُ من ليلتي القعيدةِ على ترمُّلِ قصيدةٍ في مهدِ انبعاثها، و يُتمِ قيثارةٍ لم تعزِفْ سوى مقطوعةِ الخلودِ لأبٍ لم ينسبها إليهِ، و لم تفتقِرْ إلى تفرُّعاتِ اتّصالها بهِ، أَبٌ لحنٌ، صوتٌ يتشقَّقُ من فضاءِ الأثيرِ ليهطُلَ مطراً مُستعاراً من كانونَ آخرَ رُزِقَ شبهاً بهِ، كأنما اشْتُقَّ أحدهما من ضِلْعِ الثاني.. كأنما تورَّطَ التكوينُ في مُضغةِ رحمٍ لينشطِرا، كُلٌّ يعلنِ استقلالَهُ، كُلٌّ يتوحَّدُ في الآخَرِ و يتكمَّلُ بهِ..

أحدهما ينتهي في جدولِ الخريفِ الشتائيِّ يستنزفُ خيبةَ الرحيلِ بلا مُكثٍ و لا هوادةٍ و يبدو قويّاً كطَوْدٍ أمامَ أعاصيرِ الحكاية.. و أحدهما يفتتحُ مهرجانَ التقادمِ التصاقاً بكلِّ ما هو موصولٌ بمشيمةِ الانتهاءِ المزمنِ من سَبْقِ التاريخِ و التفرُّدِ بقُرصٍ من الوقتِ المكتظِّ بطوابيرِ غيرهما من صرعى حالاتٍ مماثلة...

 
كانونْ... مارَّاً بهدوءٍ جليلٍ، يتفحَّصُ أريكتَهُ و ذوبانَ الشَّمعِ في زاويةِ الدفءِ – حيث يطيبُ له الجلوسُ ليقرأَ الشِّعرَ الحديثَ – و ما تبقَّى من بيادقَ في رقعتهِ السوداءَ للأبيضِ المهزومِ شرعاً، أتفيَّؤهُ يغمرني بلونِ اللاشعورِ المزعِجِ، حين أكونُ البيدَقَ الأبيضَ الوحيدَ المتبقِّي في ميدانِ هزيمةٍ مؤكَّدة.. فأقطعً زوايا المدينةِ القديمةِ مع أصدقاءَ آخرينَ عني.. نصيرُ و العابرينَ السائحينَ إلى معابدِ دولتي المؤرَّخةِ في ظِلِّي فقط؛ و التي لا يراها إلا مَن أرادْ، نصيرُ سُوَّاحاً معاً.. في أُمسيةٍ تبرُدُ حتى العظم، و تركضُ بنا في شوارعِ الهزيمةِ، نحملُ في أدمغتنا ما نشاءُ من تعاويذَ و إيماءاتٍ و رؤىً عمَّا نشاءْ.. و نتكلَّمُ عن أُمورٍ لم نلتَقِ لأجلها، يضيعُ نصفُ الزَّمَنِ (الذي ارتئَيْناهُ) في مَضْغِ عوالِقَ من قصصٍ و سِيَرٍ، و نصفهُ البعيدُ يتقاطعُ مع سرعةِ بسمةٍ أخيرةٍ كطرْفَةِ عيْن...

 

كانونُ، المحارِبُ الهارِبُ من كُلِّ المعارِك..

يترجَّلُ متأخراً عن كلِّ شيء..

متأخراً، مثلي، عن الوقتِ المُخصَّصِ للسعادة..

أجيءُ في حضرةِ الوداعِ المستنبَطِ من لقاءاتٍ صيفيَّةِ الغيْمِ إلى أمكنةٍ محتملٌ فيها تكوُّنُ نُطَفُ بدايةٍ ما، فلا أرثي سوى الحكاية..

كانونُ يبدأُ حيثُ أبدأُ الكتابة.. لأعودَ وحدي في زَخَمِ مَن حولي.. للمدينةِ.. غريـبَة!

 
 
.

أسـماء الحُسْنى

1-كانون الأول – 2006م


jpeg تصوير جُمان/سويسرا
(12) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 02 ديسمبر, 2006 12:02 م , من قبل Qwaider قويدر
من الأردن

بعقل راجح كعقلك.. و كلمات عذبة ككلماتك... تمنعين كانون من الهزيمة و تنشرين رياحين الصيف في و جه العاصفة البارد.. لتنشر زنابق و عقود ياسمين منم الكلام المعطر بعبير الفل...
لا فض فوك .. فكلماتك حملتني على اشرعة الاحلام لاراضي حميمة لم ارها لأحن اليها .. لكني اتضور شوقا لرؤياها


اضيف في 03 ديسمبر, 2006 12:08 ص , من قبل Ola
من الأردن

أسماء: أول مرة بقرأ إشي من كتاباتك، عن جد رهيبة ولغتك كتير قوية، مش مجاملة، لدرجة إني ما فهمت إشي :(


اضيف في 03 ديسمبر, 2006 10:58 ص , من قبل حامل المسك
من سوريا

الاخت الغاليه ام ايمن
اشتقت لهذا البوح الخافت
والنظره المتقدمه في الحياة
شكرا لما تتحفينا به من بوح خاص
كوني بخير


اضيف في 03 ديسمبر, 2006 11:04 م , من قبل Opairah
من الأردن

واو ... شو هاد

عن جد ... فزيعة


اضيف في 04 ديسمبر, 2006 04:02 م , من قبل 7ala

ابراهيم ... فزيعة غصبن عنك :)

يعني بالله اللي بقرأ هاد الحكي ما بدو يحكي فزيعه؟!
والله فزيعه و مليون فزيعه كمان ... و طق و موت :)

بس جد و بعيد عن تعليقات ابراهيم ...
أبدعت كالعاده :)

كانت فرصة كتير حلوه انه تعرفت عليك أسماء، انشالله بشوفك مره تانيه .


اضيف في 07 ديسمبر, 2006 01:57 م , من قبل ibnatlass
من المغرب

السلام عليكم

تحياتي و إعجابي ...

مدونة جميلة
مقالات في الروعة بمكان
و تعليقات تدل على على شعبية و تألق...
أرجو أن أجد موطء قدم بينكم.


اضيف في 11 ديسمبر, 2006 03:53 م , من قبل Artemis

أسماء .. صديقتي التي تأخرت عنها كثيرا هذه المرة ,
اليوم 11 كانون الأول ,, احد عشر يوما من الكتابة , من الشوق و رائحة البلاد التي عادت لتجتاحني من جديد ..
أشعر أن بيتي قريب جدا رغم كل البعد , أشم رائحة الشوارع التي تعرفني جيدا , الأشجار , الأرصفة و الدكاكين الصغيرة التي أحب ..

لا تعجبني تفرقة كانون الى أول و ثاني , برأي هو شهر واحد , مسمى آخر لمولود البرد , و طقس الحداد على الاشجار ..
ربما يا صديقتي كلانا يشعر بانتماء شديد لكانون , بحب رغم الخوف الذي يصيبنا أحيانا عند قدومه ربما لأنا ولدنا فيه , لأننا و دون قصد من أحد أصبحنا أفرادا من عائلته التي تضم كل المتعبين , كل الخائفين من الفصول الأخرى ,,
كانون الذي احب , الشتاء و دفء كل تلك التفاصيل العتيقة , هذا كل ما أحتاجه الآن ,,

لك تحـياتي


اضيف في 11 ديسمبر, 2006 07:00 م , من قبل أسماء

كانون لم يكن يوماً شطران، إنما هو الوطن الواحد، الشيء الذي لم يعرف التقطيع والتجزئة!

كانون يحمل لي كل ما هو جميل، أحبهُ لأنه يشبهني، يحمل رائحتي، لا يعرف الفرح الطويل مع القهقهة العنيفة إنما يهوى ذاك الحزن الذي يتكاثف على نوافذه من الخارج بحنينٍ يريدُ الدفء وهو الذي لم يسعَ لدفءٍ يوماً..
يحب حين يسير في الشارع أن يكون عريضاً مثل 62 يوماً تجمعه في عامينِ منفصلينِ ليزدادَ تبعثراً في خارطتي التي تحملُ مدنهُ و شواطئهُ و حاراته و أسمائهِ و كلّ مقاطعاتهِ و حروبه و سِلمهِ و ما جدَّ من فضاءاتٍ و سماواتٍ و أرضين..
يسيرُ... في عينيهِ صورتي، و شكل دمعتي و مساحةُ رقودي الأخير!!

لكانون حكاية أعرفها جيداً و ما زلتُ أقرؤها يومياً، بدأت قبل مولدي و ما زالت تعالج استمرارها بتراشقِ الأقدارِ نُدَفَ ثلجٍ من حقائقَ و مفاجآت..

و له أيضاً الحريةُ في اختيار ما أريد، لذلك أخبره عن كل تفاصيل حياتي اليومية، حتى حين يغيب أكتبها له، أعطِّرها بأنفاسي و أنتظرهُ كلَّ حينٍ أن يطرقَ عليَّ خلوتي لأرقصَ و إيَّاهُ على أنغامِ المطر - ذاك الذي هو منه و له وحده - و نسير معاً متكاتفي القدَر إلى نهاية حكايتي التي ما زالت تغزلها غربتي، الشمطاء!

تحيَّتي إليَّ ،و إلى كانون...أنا!!
دون أي غرور زائد :،)
لأنَّه كانون، و كانون هو أنا!


اضيف في 11 ديسمبر, 2006 09:54 م , من قبل Artemis

أسماء أو كـــانون ,,

أشعر هذه الأيام بسعادة بالغه , أخاف كثيرا عندما اجلس بيني و بين نفسي أفكر في الغــد و أدعو الله دوما و بسري أن يكون شديد الشبه بهذه الأيام ..
ربما هو كانون\أنت , ربما هو البرد الذي يعيدني الى الرحم من جديد , و ربما هي اللحظات الجميلة التي أصبحت تعرف طريقها جيدا الي ,, أم أنني أصبحت لا أضل الطريق الى مخابئها ..

لم يعد ألم الغربة يصيبني في الصميم , تلونت بلون هذه البلاد و رسمت نقوشها المغرية على بياضي ,,
ربما كانون هو السبب , صقيعه و الدخان المتطاير من أنفسنا خففا بعض وطأة الغربة علي ,,
أو أنني أدمنتها و اعتدت زيارتها لي كل يوم فلم تعد كما كانت , ضيفا ثقيل يقض مضجعي ..

هل تعرفين ما اشتهيه الآن ,, أريد فقط ازاحة القليل من هذه الوحدة عن عاتقي , الجلوس مع عائلتي قرب المدفئه و السهر حتى الفجر ثم الاستيقاظ صباحا بعيون شبه مغمضة ,,
هذا كل ما أحلم به الآن , وسط هذه الجدران الاسمنتيه و البرد اللافح في الخارج ..

لك ,, أو لكانون - لا فرق - تحياتي , و دمتما كلاكما مصدر بهجة لي ,,


اضيف في 12 ديسمبر, 2006 09:17 م , من قبل كانون

سأكتبُ الآنَ إلى ما شاءت ليَ المقاديرُ باسمي الذي يتقمّصني .. كـ ـا نـ ـو ن

عزيزتي آرتو..
تعيديني رغماً عن كلّ شيء إلي، إلى كانون الذي هو حقَّاً أنا.. دون أي إضافات، دون غرور أو مكياج أو تصنُّع أو ارتباك، أجلسُ حول المدفأةِ فعل عادةٍ لا أكثر، فالبرد هو اشتياقي لاصطكاكي بالعالم و إحساسي به، البرد هو الدفء الذي أحب.. فما يفعله في الخلايا عصيٌّ عن أي شيء آخَر..
عندما يأتي كانون، أفقد شعوري بالغربة، يتعدل إدراكي لما حولي، أصبح أنا بكلِّ ما فيَّ من أسماء، أنا، فقط!

كانون ليس تاريخاً فحسب، إنه الكون الذي يطلق لروحي العنان فتلهو حرة بعيداً عن أي جرح أو قيد، تستكشفُ الطريقَ بهِ كأنه عيناها، أو حدسها المخفي..

كل ما أرجوه الآن أن تظلَّ هذه البداية التي بدأتها بهِ و معه جميلة حتى آخر العمر، أن يظلَّ الطريق الذي برزت لي خطوطه و امتداداته واضحاً مشمساً بقطراتِ الضوء السعيدة بما سيكون.. فما سيكون بكانون دائماً، يبقى الأجمل، و ما تحملهُ لي أقداره سيملؤني بالسعادة، إني على يقين...

كأنها رسالة أو هي أوطان من الحروف تتجمَّع في قوافلَ لتحجَّ إليكِ، في معابدِ الاشتياق..

إليكِ آرتيمس أو نون :)
شق كانون الذي لم يفصله التكوين عنه!


اضيف في 22 ديسمبر, 2006 08:47 م , من قبل jullanar72
من سوريا

جمال الادب بدقته
ورونقه
وروعته بعظمة كلماته ودقة معانيها ومقصدها
فبحور الادب كثيرة ولكل بحر ايقاعه وانت تعزفين ع اوتار القارىء بكل سلاسة وانسياب كإنسياب الماء في نهر جميل
فلك مني كل الاحترام والتقيد والتقدم


اضيف في 03 يناير, 2007 02:11 م , من قبل ibnatlass
من المغرب

السلام عليكم
أحييكم
و أشكر لكم هذه الكلمات الجميلة و المعبرة.
و فقكم الله.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.
أكتبُ لا لأنتصرَ على تصحُّرِ الورقْ.. إنما لأسلمَ من احتضارِ يُسرايْ.. يدي التي تكذبُ عليَّ دائماً... لكني مُرغمةً أُصدَّقُها!!!