أُمُّ اليُمنْ
يمَّمْتُ شطر الحزنِ يوماً..فيمَّمت كلُّ أيامي ورائي!
.
.

خُلاصَةُ آخرِ العام

سأسرقُ من العامِ الذي يحملُ الآنَ كيسَهُ على كتِفِهِ راحلاً دون رجعة بعض كلماتٍ أحفَظُها في سيرَتي القادمة، و سَؤُليهِ ظَهري بلا حنينٍ؛ لأني سأُعطي الحنينَ للذي هو آتٍ.. علَّهُ يستحق!

" خُلاصَةُ آخرِ العامِ "

 

الطقس:: حالةٌ مرَضيَّةٌ للسماء؛ بل هو الكلامُ الذي لا ينتهي كنهُهُ، تريدُ إسماعنا إيّاهُ؛ و لسنا بالذين نملكُ آذاناً سماويَّة.. لنُريحها من تَعَبٍ، و نظلَّ في صفاءْ.

 

الهاتف:: ضرورةٌ تُبيحُ لكَ عدمَ التأخيرِ في عزاءٍ.. أو.. مُعايدَة!

 

العيد:: وقتٌ من فُقاعاتِ وقت، تحملُ ألوانَ قوسِ قُزَحٍ؛ ما تلبَثُ أن تتبخَّرْ.

 

النافذة:: حلمٌ تملَّصَ من رأسي، و مضى عبر القُضبانِ يُطاردُ حلماً آخَرَ تملَّصَ من رأسٍ آخَر.. ليتحقَّقا معاً.

 

النافذة:: هُوَّةٌ على العالَمِ المرئيِّ، تحرُسُ تسرُّبَ الأسماءِ من صمتي.

 

النافذة:: إطارٌ يحيطُ بامرأةٍ في إحدى ليالي المطر...

 

الناس:: ليسوا فقط أسماءٌ و آدميون؛ الناسُ مخلوقاتٌ ناقصةٌُ تحتاجُ للكثيرِ من الحُبِّ و العَناءْ.

 

العائلة:: دفءٌ أزليٌّ لصحراءٍ دائمةِ التغيُّر.

 

الرملُ:: تكوينٌ صقيلٌ لمرآةٍ تحملُ صورتي التي لم أحملها يوماً!!

 

اليوم:: زمنٌ ينتهي منَّا.

 

الزمن:: فقدٌ دائم، لفقدٍ مُقيم.

 

الأرض:: الأرضُ لا تأتي، الأرضُ تُؤتى.

 

الوطن:: عيدٌ طويلُ الأمد، قصيرُ الحظِّ.. مثلنا.

 

الوطن:: مُضغةٌ في القلبِ في تِسْعِ نبضاتٍ تُولَدُ، لتُعيدَ الكرّةَ في أُخرى.

 

الوطن:: بريقٌ في عيْنَي أبي.. و عروقٌ نافرةٌ في كفِّ جدِّي.

 

الوطن:: ترابٌ زمنيٌّ يهرُبُ من أجسادنا لآخرين...

 

الوطنُ:: هُوَ.. و كُلٌّ من أنا.

 

الموت:: فرقٌ في التوقيتِ فقط!

 

الحُبُّ:: الصمتُ الذي يغيبُ بكَ عن العالَم.. حيثُ لا تدري أينَ ستكون؟!

 

الحُبُّ:: كوكبٌ في مجرَّةِ المفاجآت.

 

الحُبُّ:: نأتيهِ و لا يُؤتى.

 

العيد:: تسلسُلٌ للقاءاتٍ مُنتَظَرَة.. و صِدْقٌ في البَسمة!

 

الحقيبة:: بريستيج يقتُلُ امرأةً مثلي، و يحدِّدُ الحريّة!!.. الحقيبةُ اقتناءٌ زائدٌ في طريقٍ طويل.

 

الطريق:: عُمرٌ من سُويعاتٍ أخذَتْ حجمَ الهواءْ.

 

الشارع:: لفظٌ آخَرَ للحرية.

 

الحريّة:: السماءُ و الأرضُ دون جدرانٍ أو أعمدة.

 

القَدَر:: مخطوطٌ لصالحِ الجميع.

 

القلَم:: سيِّدٌ يعملُ لحسابيَ الشخصي.

 

القلَم:: أوّلُ مَنْ يقطِفُ من الحروفِ أغانٍ..

 

القلَم:: راقصٌ على كلماتِ اللغةِ، لا يتعبُ.. مثلي!

 

الورقُ:: حاجةٌ تستفزُّ روحي بصمت.

 

السطور:: نوتاتٌ موسيقيَّةٌ تنتظرُ مَن يعزفها بشهوة.

 

هو:: ما يستطيعُ أن يكون.

 

هو:: الرجُلُ فقط.

 

هو:: الذي سيغيِّرُ "فقط" إلى "كل شيء" إن أرادْ!

 

أنا:: امرأةٌ مختلِفَةٌ فقط.

 

أنت:: لكَ أن تقول ما شئتَ عن نفسِكْ.

 

أنا (مرة أُخرى):: لا أُصنَّفُ ضمن التعريفاتِ السابقةِ حتماً..

فأنا أبجديَّةُ مطر.. لا تتقنُ التكاثُفَ إلا على جدرانِ القلوب!

 

 
 
31 كانون الأول 2006م


jpeg
MP3
(6) تعليقات

أضواءٌ في عُيوني..

. . .

 

* ضوءُ ما قبلَ الليل:

تلفازُ مساءْ

ينفرُ الحجيجُ إلى شعائرَ باقية

و ينفِرُ قلبي

.. إليكْ

كحجٍّ مُتأخِّر!

 

* ضوءُ ليل:

مساءُ عيد..

مختلِفٌ بأبواقِ السياراتْ

و وجوه المتبضّعينَ في السُّوقْ

مختلِفٌ كشوقٍ يتجمَّعُ في أطرافِ غيمة

لا أدري متى ستُمطر؟!

 

* ضوءُ مَللْ:

نزَقٌ من وراء الزجاجْ

نزَقُ انتظارٍ معتَّقْ

وطاويطُ الليلِ تَذرعُ الجِسرَ

من نافذتي

و تختفي..

نزَقٌ حتى النزَقْ

يسبِقُ تكبيرَ عيدْ

 

* ضوءٌ معكوس:

سوفَ أتكهَّنُ كأيِّ أُنثى

و سأنظُرُ من ثُقْبِ البابِ خِلسةً

و سأندِبُ فنجانَ قهوتي

لأنه لم يخبرني عنكْ

 

* ضوءٌ فقط:

حَدْسٌ يُنيرُ المسافةَ الزمنيةَ

و يفتحُ أشياءَ مُغلَقَة!

 

* ضوءُ شارع:

المدينةُ المنفى؛

كيف استطاعَتْ أن تكونَ الآنَ

في هذا الوقتِ من السَّنَةِ،

لنا وَطَنْ؟!

 

* ضوءٌ قاتلْ:

ليزرٌ دونَ تدشين..

- "عاداتٌ جاهليّة،

تتقمَّصُ سيْرَ حياتنا..

نهرُبُ منها في زحمةِ غُربة؛

لتلتقينا عند أوّلِ منعطَفٍ

و ينقرِضَ الأملْ"_

ليزر فتّاك!

 

* ضوءُ عيد:

العيدُ من المناسباتِ التي أضحكُ فيها حدَّ الفَرَحْ

و لكلِّ عيدٍ لونْ

هذا العيد، سأبقى دُمية!

تنتظرُ شيئاً من أنتْ

فما اللون الذي سأضحكُهُ

و أنتَ لم تخبرني عن لونكَ المُفضَّلْ؟!!!

 

* ضوءُ عيد:

لا تقُلْ للآخرينَ أنَّ العيدَ مُتَّفِقٌ مع خُططِكَ

فيما أنتَ مُقدِمٌ عليه..

سيعتبرونكَ ساذَجْ

 

* ضوءُ عيد:

علينا جميعاً فوقَ الأرضِ

أن نمتلئَ بالعيد..

هبةُ الله لأيّامٍ خلَتْ

في شقاءٍ مُتوارَثْ

..

العيدُ رُباعيَّاتٌ من الحلوى و الدفءِ

و وجوهٍ حبيبة

و أُخرى غائبة..

مُعلَّقةٌ على جدرانٍ تسندنا..

 

* ضوءُ حُبّْ:

لهُ.. تحت الأرضِ

كلّ تقاسيمِ الحنينْ

و كلّ شجونِ النَّسبْ

لجدِّي، تفاصيلَ كانونية

يزيدها العيدُ تدفقاً في عروقي

و خُلْداً في أسمائي...

 

* ضوءٌ شرّير:

حين يرجمونَ الشيطانَ بما جمعوا من حجارة

سأرجمهُ معهم، من هُنا!

و سأرجُمُ كلّ خاطرةٍ تُحدِّثُ

عن تسوُّلي في العِشقِ

لأهذي بكَ حبراً..

 

* ضوءُ أمَلْ:

عندما يحينُ الوقتُ؛

و لا وقتَ يلزمنا؛

سأنتعِلُ وجهي، و حذائيَ الجديد

و أركضُ معكَ لآخِرِ الأبجديَّة..

 

* ضوءُ حِسّْ:

مُقطَّعٌ كتلغرافٍ عبر أسلاكِ قدَرْ

يصلُ لاهثاً، فأُحرِجُهُ بلامُبالاتي..

_ يا أنتَ..

_ يا هذا؟!!!

_ ماذا تريدُ؟..

_ أمَا يؤلمكَ تعثُّركَ بي..؟!!

فيخترِقُ جمجُمتي بصوته:

" كـ لُّ عـ ـيـ ـدٍ و أ نـ ـتِ لـ ـي ، أ نـ ـا "..!

 

* ضوءٌ أخير:

نسيتُ في النسيانِ

أنَّ للعيدِ مواسمَ من بكاءْ

لها طعم الملح المصفَّى..

و لها صوت الشَّلال الهادر..

و لها أوقاتٌ تشجُّ فيها القلبَ

فلا نرجو غير السلامةَ لمَنْ هُنا..

و الدعاءَ لمَنْ غابوا...

 

* ضوءُ ما بعد الانطفاء:

مَنْ قالَ أنّ النورَ سينطفي؟!

هو شعلةٌ توهجَتْ

و بانَ الطريقُ دونَ تعرُّجٍ أو تشقُّقٍ

تُظلِّلُهُ عيونُ أوطانٍ آخذةٍ في الحلمِ

و تفرشهُ ياسميناتٍ كانت قد انتحرَتْ نشوةً

من ألَقِ الخُطى القادمة...
 
 
تقبل الله طاعاتكم؛ و كل عام و أنتم بخير
 
أسماء
،

 

 


jpeg
(8) تعليقات

حقيقة

 

أيُّها الحزنُ غِبْ

لم أعد بحاجةٍ إليكْ

تناسخَتْ روحي تقاطيعَ الفرَحِ

من أحايينَ تمرَّدَتْ في عبورها من هُنا

و تعوَّدْتُ صفْعَ السعادةِ حتى أهملْتُها

. . .

أيُّها الحزنُ غِبْ

ما عادَتْ الأحزانُ تليقُ بي!

إني.. مُذ عدتُ الآنَ إليَّ

أَتَهَندَسُ في اليومِ آلافَ المرَّاتِ

لأليقَ بتفاصيلي السابقةِ

بالطفلةِ

بالبراءةِ

بالـ أنا،

فألبِسُ و أخلَعُ كلُّ الملامحِ من حولي..

و بعدَ يأسٍ يتكشَّفُ لي قَدَرٌ؛

ما أنا إلا أنا..

لا ينْقُصني حُزْنٌ

أو رتوشُ جَمالْ!

؛

؛

؛

الـحُـسـنى أسـماء


jpeg
(8) تعليقات

لنا الكثير، و لا ندركُ إلا أنْصافَ ما لنا! (قصة)

 

       ككلِّ المرضى حين يأتونَ إلى هُنا، نأخذُ منهم معلوماتٍ بسيطةٍ، نسألهم عن اسمهم الثلاثي، عمرهم، و طبيعة الفحوصات التي يريدون إجراءها..

لكنها هذه العجوز حين وقفَتْ تنتظر دورها و بجانبها ابنها الـ"عمُّو" بدَتْ لي قريبةً نوعاً ما، لها لون الأرضِ الرطبة، و قسوةِ الهواءِ العليل، نَظرتُها عميقة، غائرة، مثل بئرٍ صغيرِ الفُتحةِ من سقفه، واسع القاع.

- اسمكِ الثلاثي لو سمحتِ..    (قلتُ)

لكنها لم تُجِبْ، اكتفَتْ بابتسامةٍ صغيرةٍ تشبهُ تلك التي تتركها الأمهاتُ ليلاً حين يتفحّصْنَ أسِرَّةَ أبنائهنَّ الصغار، فيجدونهنّ نائمينَ بعبَقٍ ملائكيّ.

- الحَجَّة أنْصاف.. أنصافْ، محجوب ياسين.

قالَ الرجُلُ الذي يقفُ بجانبها كعمودِ نور.. و ظلَّتْ هي تنظرُ إليَّ من وراء جهاز الحاسوب الذي يفصلنا..

- مممم..العُمُر!         (قلتُ)

فضحكَتْ حتى اهتزَّ كيانها كلّه، و ضحكَ الرجلُ الـ"عمُّو" معها..

لم أدرِ لِمَ تضحك، أو ما الذي يُضحكُ حين تسألينَ الناسَ عن عمرهم هُنا، هذا أمرٌ روتينيٌّ معروف!

قالت لي:" أتريدينَ الصدق؟ لا أعرف في أيِّ عامٍ ولدت! فعندما قامت النكبة في الـ48 كنتُ طفلةً صغيرةً، هاجرتُ مع أهلي إلى هُنا.. و تزوجتُ سريعاً حتى صار ابني شيخاً،(أشارت إلى عمود النور الذي يسندها)".

... لحظات من الصمت المباغت، الصمت الذي يكون له هذا الحيِّز من الوقت دوماً بعد ذكرى تطرقُ الذهنَ، لم تكن بالحُسبانْ...

- أنتِ وُلِدتِ في فلسطين؟!   (ببلاهةِ طفلةٍ تكتشفُ شيئاً عزيزاً سألتُها)

- في القُدْس بالتحديد!   (قالت بحزم)

و تنهدَتْ طويلاً و تنهَّدَ ابنها الذي بدا لي في تلك اللحظة شجرةً غزيرةَ الأغصانِ تحمي أُمَّها المتيبِّسَة من صَهدِ الشمسِ أو ريحِ الليلِ البارد.

- خلص احسبي عمري عكيفك، أو إزا كُنتْ مولودة في الـ38 كم بكون عمري..؟

- اكتبي 65سَنِة!... أومأَ ابنها و هو يضعُ يدهُ على كتفها و يشدُّ بحنانٍ وتشبُّثٍ بشيءٍ كأنما سيتلاشى عمّا قليل...

- ألله يخلِّيكِ لأهلِكْ يا خالتي.. بس بيني و بينِك لمّا حدا بيسألني عن عمري بقول 25 سَنِة وبصدقوا...

ضحِكنا جميعاً هذه المرّة، أنا و العجوز و عمود النور الذي توهّجَ فجأةً كأنما فيه زيتٌ قديمٌ مُعتَّق..

أذكرُ حكايةً ساريةً عندنا في الشام، أنَّ أحدهم سألَ صبيَّةً حلوةً (كان الاثنانِ يتبادلانِ الغَرام) عن عُمرها.. فخجِلَتْ منه لأنها لا تعرفُ الحِساب، ثم انتَتَرَتْ بعد دقائق.. و قالت: "عندما يصيرُ تشرين أُكمِلُ العِشرين".. و ها هي الآن باتت عجوزاً تتدلّى من ذقنها السنواتُ العِجاف، و ترسمُ على وجهها دروبَ حياةٍ طويلةٍ قَطَعَتْها.. و ما زالت تقول (كأنما هي كذلك) لأي أحدٍ يسألها عن عمرها "في تشرين أُكمِلُ العشرين"!

 

لم تُبارحْنِ الغِبطَةُ بأنْ أُصافِحَ الأرضَ بسُمرتِها القمحيَّة، و أنْ أَشُمَّ رائحتها التي تُشبهُ الصَّعتَرَ الأخضرَ و زيتَ الزيتونِ و المريميّة و النعناع البري الصغير و الكثيف الأوراق، كلُّ ذاك الأريج كان في "الحَجَّة" كما أسماها عمود النور الذي لم يبتعد عنها، أحسستُ أني حين سآخذُ منها عيِّنات الدم سيتجمَّعُ عندي في أنبوبِ المَصْلِ تُرابٌ لا أكثر! أليسَ حريٌّ بي أن أحتفِظَ بذاكَ الدم في عيوني و أنفي و كفَّيْ؟.. لأنه ما زال يحملُ رغم شيخوختهِ معالمَ كلّ شيءٍ من تلك الحاراتِ التي هربَتْ منها الطفلةُ، و ها هي تجلسُ أمامي بكلِّ ثِقَلِ الوطنِ تريدُ أن تنتهي من وجعِ إبرةٍ في ثواني و هي التي لم تنتهِ من وجعِ النَّكبَةِ للآن...

كان بي حنينٌ إلى هناك، مع أني ربما لن أصِلَ لفلسطين أبداً، طالما أني أحملُ جوازَ سَفري الكحليّ الذي لا تعجبه أيُّ سَفارةٍ و لا يقبلُ أنْ يُدمغَ لأيّةِ جهةٍ تختصرُ الجهات بأكثرَ من أرض.. هذا الجواز الذي تفوحُ منه رائحة المأساة و الرحيلِ الأبدي إلى غُرباتٍ متتالية، إلى أرضينَ لا تملكُ من أرضِ ما أُحِبُّ غير الاسمِ فقط!

و الأرضُ كانت هُنا.. ثمَّ غادَرَتْ، و مشى عمودُ النورِ حتى انتهى الضوءُ و سرى الظلامُ في قلبي بعُصبةِ الصمت، مَن شَنَقَ رملَ بلادي بحبال الماءِ الآسن و ذَراهُ فُتاتاً في كلّ مكان؟!!

كانت البلادُ واحدةً، ما زالت البلادُ واحدةً في الذاكرة و في الخرائط غير الرسمية التي حُفِرَتْ على أقفاصنا الصَّدريَّة، لأنّ الخرائطَ الرسمية ما عادت تعترفُ بالحدودِ المخطوطةِ بالسنتيمترات، و بحجم الهواء الذي يمرُّ فوقها بالمتر المُكعَّب و بعَرضِ السَّماءِ – حتى أنَّهم يحاولونَ أن يضعوا إشاراتِ مرورٍ للطائراتِ حين تقطعُ حدودَ أيَّةِ دولة، لكني أتساءل: ألا تبتلعُ المجرَّاتُ تلك الإشارات و تلك الطائرات لتُريحنا من سطوةِ التَّقسيمِ حتى في الفضاء...؟!

 

العجوزُ غادَرتْ، و كلُّ الوطنِ ظلَّ هُنا معي!

الوطنُ الذي أنْسَتْهُ النّكبَةُ أن يصحبَ أوراقَهُ التي تدلُّ عليه، الوطنُ الذي لم يحمل شهادةَ ميلادٍ تحدِّدُ ساعةَ صُراخهِ التي صافحَ بها هذا الكون الجائر.. و مضى في كلِّ البِقاعِ يحملُ عاداتها وتقاليدها و لا يعترفُ بالمناطقِ الفاصلةِ التي فصلَ بها المعتدونَ أطرافَهُ و أعضائهُ ليسهُلَ عليهم حمله، لكنهم – رغم أنهم عاثوا فيه تقطيعاً – لم يستطيعوا حمْلَ قِطعةٍ منه و امتلاكها..

كلما قطعوا جزءاً منه، تبرعمَ هذا الجزءُ إلى جسدٍ كاملٍ، و أعادوا الكرَّةَ دون أن يفقهوا أنَّ الوطنَ لا يُقطَّع.. و لا يُوصَلْ.

ربما نجحَتْ النكبةُ في محوِ تاريخِ ميلادٍ، أو نسْفِ بيوتٍ و عائلاتٍ من أُسُسِها، أو ترحيلِ البشرِ إلى أمكنةٍ بعيدةٍ عن مسقطِ رؤوسهم؛ لكنها لم تنجح في تهجينِ الذاكرة؛ لم تنجح في إظهارِ طفرةٍ تُلغي ملامحَ الوطن في تلك العجوز..

و لن تنجحَ في امتلاكِه.. طالما أنه وصلَ إليَّ هُنا دون جوازِ سَفَرٍ أو تأشيرةِ مرورٍ.. ودون إذنٍ من وليِّ أمرٍ، تربَّعَ في إحدى حُجُراتِ القلبِ و أخذَ يتكاثرُ بصمتْ.....

 
 
 

12 كانون الأول  2006م

 


gif
(30) تعليقات

يأتي .. رغمَ كُلِّ شيء!

شيئاً فشيئاً أستسلمُ لتدفُّقِهِ في الوريدِ أزرَقاً أزرقاً بلا مُبالاةٍ استعرتُها لهذي القَبَساتِ من المدينةِ القديمةِ التي علَّمتني أهميَّةَ التاريخِ في التدوينِ المستطيرِ من أدمغةِ الشعوبِ الغافلةِ على مفارشَ باردةٍ لم تحتَمِ من هجماتِ الجليدِ الجافِّ إلا بحريرٍ مُلْتَصقٍ بجسدها النحيلِ لتَشَبُّعِهِ بالمطَرْ..

وأستطيرُ بسلامِ الحكماءِ في مَعزَلٍ عن الخَلْقِ مُتكاثفةَ الفؤادِ بنصفٍ مُعرَّجِ الحدودِ من قمَرٍ في السماءِ اللَّيْلكيَّةِ، كثيفاً كعَسَلْ!

 
خَوْفَ جِذْعٍ هَرِمَ بأوراقهِ الشابَّة، و هرِمَ بمكانهِ عديمِ الملامحِ، و هرِمَ بإصرارهِ على أنهُ أكثرُ من جذعٍ، أكثرُ من مجرَّدِ خشبةٍ ستُقتَطَعُ لأشياءَ قد تُحفَرُ إبقاءً على ذاكرة.. أو تُحرَقُ استنزافاً لذاكرةٍ كانت هوَ، أكونُ!.. الجذعَ المُتكاتِفَ اليديْنِ في حضورِ كانونْ...

ذاكرةُ التاريخِ القادمةِ إلى دفاترِ القَدَرْ.. و احتمالُ ما سيكونهُ الجِذْعُ تكونْ!

يتصعَّدُ في أدراجِ سَمائي برجولةِ بطلٍ مُنهزِمٍ من ملحمةٍ أُسطوريّة.. لهُ تقاطيعَ وجههِ اليابسة، له نظرتهُ الخارقة لم وراءَ القلوب، و له يدهُ الرؤوم.. الأصابِعُ ينقُصُها بعضُ التدليكِ و الأنفُ ينفُرُ عن وجهٍ كاملِ الدقائِقِ ليصيرَ ارستقراطيَّاً تماماً..
 
كانونُ.. الياقَةُ المزركَشَةُ لملابسي، و الحقيبةُ المائلةُ الكَتِفِ على كَتِفي، و الحكايةُ التي تبدأُ بقطرةِ مطَرٍ و أظُنُّها لا تنتهي إلا بآكاليلِ ياسمينٍ – سريعةِ العَطَبِ – على قبر!!.. يتخلَّلُها حَفْلٌ من شرابِ التُّوتِ – سريعِ العَطَبِ هو أيضاً – عند أوّلِ بائعٍ لم يَدْعُني بعيْنَيَّ؛ إذ لم يستوقِفْهُ حُزني.. حين فاضَتْ عربَتُهُ بما هو أكثرُ من لُّعابِ جَفنيَّ أرَقاً و حُزناً...

الياسمينُ ينتهي لرائحة.. الرائحةُ تصبحُ تاريخاً.. التاريخُ يتجوَّفُ أسطُرَ المارقينَ على شواهِدِ المدينةِ القديمةِ بعُنفِ مَنْ لهُ أحقيَّةُ السيادة..

التاريخُ فوضى أفكارٍ هزمها أصحابها بصلْبِها على الورقْ.. و الورقُ تذاكرَ مدفوعةَ الأجرِ إلى حياةٍ تكونُ و لا نكونْ..

*     *     *     *     *

شيئاً فشيئاً أتسَحَّبُ من ليلتي القعيدةِ على ترمُّلِ قصيدةٍ في مهدِ انبعاثها، و يُتمِ قيثارةٍ لم تعزِفْ سوى مقطوعةِ الخلودِ لأبٍ لم ينسبها إليهِ، و لم تفتقِرْ إلى تفرُّعاتِ اتّصالها بهِ، أَبٌ لحنٌ، صوتٌ يتشقَّقُ من فضاءِ الأثيرِ ليهطُلَ مطراً مُستعاراً من كانونَ آخرَ رُزِقَ شبهاً بهِ، كأنما اشْتُقَّ أحدهما من ضِلْعِ الثاني.. كأنما تورَّطَ التكوينُ في مُضغةِ رحمٍ لينشطِرا، كُلٌّ يعلنِ استقلالَهُ، كُلٌّ يتوحَّدُ في الآخَرِ و يتكمَّلُ بهِ..

أحدهما ينتهي في جدولِ الخريفِ الشتائيِّ يستنزفُ خيبةَ الرحيلِ بلا مُكثٍ و لا هوادةٍ و يبدو قويّاً كطَوْدٍ أمامَ أعاصيرِ الحكاية.. و أحدهما يفتتحُ مهرجانَ التقادمِ التصاقاً بكلِّ ما هو موصولٌ بمشيمةِ الانتهاءِ المزمنِ من سَبْقِ التاريخِ و التفرُّدِ بقُرصٍ من الوقتِ المكتظِّ بطوابيرِ غيرهما من صرعى حالاتٍ مماثلة...

 
كانونْ... مارَّاً بهدوءٍ جليلٍ، يتفحَّصُ أريكتَهُ و ذوبانَ الشَّمعِ في زاويةِ الدفءِ – حيث يطيبُ له الجلوسُ ليقرأَ الشِّعرَ الحديثَ – و ما تبقَّى من بيادقَ في رقعتهِ السوداءَ للأبيضِ المهزومِ شرعاً، أتفيَّؤهُ يغمرني بلونِ اللاشعورِ المزعِجِ، حين أكونُ البيدَقَ الأبيضَ الوحيدَ المتبقِّي في ميدانِ هزيمةٍ مؤكَّدة.. فأقطعً زوايا المدينةِ القديمةِ مع أصدقاءَ آخرينَ عني.. نصيرُ و العابرينَ السائحينَ إلى معابدِ دولتي المؤرَّخةِ في ظِلِّي فقط؛ و التي لا يراها إلا مَن أرادْ، نصيرُ سُوَّاحاً معاً.. في أُمسيةٍ تبرُدُ حتى العظم، و تركضُ بنا في شوارعِ الهزيمةِ، نحملُ في أدمغتنا ما نشاءُ من تعاويذَ و إيماءاتٍ و رؤىً عمَّا نشاءْ.. و نتكلَّمُ عن أُمورٍ لم نلتَقِ لأجلها، يضيعُ نصفُ الزَّمَنِ (الذي ارتئَيْناهُ) في مَضْغِ عوالِقَ من قصصٍ و سِيَرٍ، و نصفهُ البعيدُ يتقاطعُ مع سرعةِ بسمةٍ أخيرةٍ كطرْفَةِ عيْن...

 

كانونُ، المحارِبُ الهارِبُ من كُلِّ المعارِك..

يترجَّلُ متأخراً عن كلِّ شيء..

متأخراً، مثلي، عن الوقتِ المُخصَّصِ للسعادة..

أجيءُ في حضرةِ الوداعِ المستنبَطِ من لقاءاتٍ صيفيَّةِ الغيْمِ إلى أمكنةٍ محتملٌ فيها تكوُّنُ نُطَفُ بدايةٍ ما، فلا أرثي سوى الحكاية..

كانونُ يبدأُ حيثُ أبدأُ الكتابة.. لأعودَ وحدي في زَخَمِ مَن حولي.. للمدينةِ.. غريـبَة!

 
 
.

أسـماء الحُسْنى

1-كانون الأول – 2006م


jpeg تصوير جُمان/سويسرا
(12) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية
.
.
أكتبُ لا لأنتصرَ على تصحُّرِ الورقْ.. إنما لأسلمَ من احتضارِ يُسرايْ.. يدي التي تكذبُ عليَّ دائماً... لكني مُرغمةً أُصدَّقُها!!!