لذا سأمتثل لطلبكِ عزيزتي حلا ؛إنما بطريقة مختلفة!!.. من خلال خاطرة تختصر مفتقداتٍ شتى كُتبت عند تخرُّجي من الجامعة.. "عند التَّخرُّجِ..تُشاغِبُ الذِّكرى" حتى إذا علا التصفيقُ.. سارَ الموكبُ الهُويْنى.. و سِرْتُ على الأنغامِ فوق حُمرةِ البِساطِ لا مُدركةً لحضورٍ أتَوْا من كلِّ الفِجاجِ على أثيرِ حُبٍّ فِطريٍّ ليفرحوا.. و لا عابرةً إلى ضِفّةٍ مرئيّةٍ من ضِفافِ حياتي! سِرْتُ ورائهم.. حتى إذا آنَسْتُ ليْلاً أضاءَ عُمري بقليلِ نورٍ واختفى, اِلْتَفَتُّ.. لَوَّحْتُ بلا تحديدٍ لنيَّةِ سلامٍ أو وداعٍ أو عُربونَ شُكْرٍ عن موعِدٍ لم نتَّفِقْ عليه قَبْلاً.. سِرْتُ.. ضبابيّةٌ عينَيّْ.. اللحنُ يعلو و قلبي يدنو من رئتيَّ يُربِكُ حُريَّةَ الحجمِ عند جيرانِهِ و يُرفرِفُ ناسِياً احتراقَ أطرافِهِ بضوْءِ الأمَلْ.. و ذارِفاً أواخِرَ دمائِهِ الجوفيَّةِ على ابتسامةٍ مُخضَّبةٍ في شفتيَّ بدمعِ الوداع.. كأوّلِ المَطافِ.. أصْطفُّ في طابورِ مدرستي أحملُ على كتفيَّ حقيبتي الصغيرة.. و أُعلِّقُ على شَعري شارةً بيضاءَ كالنسيانْ و أقْتعِدُ في الدَّرْسِ هادئةً جميلةً أسْتمعُ لوصْلِ الكلامِ من مُعلِّمتي " فأكبُرُ قليلاً " و يمرُّني الشِّتاءُ حاملاً لي كستناءَ غُربةٍ قيَّحَتْ صبرَ الوطنِ في صمتي و شكَّلَتْ معالِمَ ذاكرتي و تضاريسَ لُغتي التي كلَّما حاولتُ إهمالها قرَّعتْني بقصيدةٍ حزينةٍ عن الشَّمالِ* حيثُ توَرَّقَتْ أوردتي و عن جدِّي حيثُ نَفَخَ في جسدي أوَّلَ قشعريرةَ عِشْقٍ مازلتُ أُعانيها للآنْ لاشتهاءِ السَّعادةِ "كبرتُ سريعاً" و اختصرتُ شقاوةَ الأطفالِ و عِراكَ الشَّوارِعِ.. و اللّعبَ في الحاراتِ و لم أصِلْ للذَّةٍ تطمُرُ عمري بالفرحِ المغليِّ على موقِدِ السعادة.. اشتعلَتْ في رأسيَ الأحزانُ مثلَ شيْبٍ مُبكِّرْ و حملتُ الحزنَ و سافرتُ إلى وطني.. أسترجِعُ أنوثتي وكتابتي فلم أجِدْ غير رائحةِ الذِّكرى التي تُخدِّرُ الأُنوفْ و سريراً فارغاً لجدِّي يصفُرُ عليه الأرَق و غُبار الحنينْ انتعَلْتُ الصَّبرَ و عُدتُ إلى هُنا.. أسْتكمِلُ بعضي في شيءٍ ما تعايشْتُ مع الصحراءِ.. شِيحاً أو حنضلَ أو نبعاً صغيراً في صيفٍ طويلْ صِرتُ واحةَ العطشى و ظِلَّ التَّعبْ أرهَقْتُ غُربتي كما أرهقتُ قلمي لأكونْ " هكذا كبرتُ " على الرحيلِ و الغيابْ على الغُربةِ و الوطنْ و إلى الحُبِّ سِرْتُ.. بغُلُوِّ الروحِ رفرفتُ و احتملتُ صِغَرَ جناحيَّ حتى أُحلِّقَ بعيداً عن وَحْلِ العاديّينَ فأختلِفُ بمرارةِ ما أحملُ من خيبةٍ و غُربةٍ و هناءْ و انطلقتُ من مدرستي إلى الهاشميّة ** !! أُجمِّعُ صُوَرَ الحياةِ التي حفِظَتْ لها مكاناً في ذاكرتي " فكبرتُ أكثر" و اُخْتِرْتُ طَّحيناً.. تزيدني على خُبزِ السعادةِ و تعجنني كي أصيرَ أطيَبْ و توزَّعتُ في التَّجاربْ و مرَّتْ عليَّ أساطيلُ الآخرينَ و ألوانُ أطيانهم.. و قساوةُ تضاريسهم.. فاعتليْتُ لي صخرةً قريبةً جمَّلْتُ قريحتي بالصَّبرِ العنيفِ و كتبتُ شاهداً لوجودي هناكَ غرسْـتُهُ في رملِ الصحراءِ: " لنْ أَمَلَّ من حياتي.. إنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملُّوا.." الآنْ كآخِرِ المَطافْ.. أصطفُّ في طابورِ المغادرينَ إلى الحياةْ إلى الآدميّةِ الحقيقيّة.. " لأكبُرَ جِدَّاً " و أسْتبقي حُلُمَ السعادةِ في سريرتي أنطلِقُ إلى الطريقِ الذي رسَمَتْهُ لي غُربتي أسيرُ لا مُسرعةً و لا مُبطئةً أحتملُ مفاجئةً في المنعطفْ.. و أتعبُ عند منعطفٍ آخَرْ حتى إذا صادفتُ ليْلاً وقفتُ.. استرحتُ قليلاً.. راجعتُ أسماءَ الخَلْقِ على مهْلٍ و مضيتُ إلى أَجَلٍ ستملئوني فيه السعادةُ يوماً..

jpg
(8) تعليقات
أضف تعليقا
من البحرين

الله .. ما أجملك
وقعت صدفة هنا وأدمنت المكان الآن
من ليبيا

اختــى اسمـــاء حقاً كلماتك رائـــعة .. بحيت احيــاناً اعجز على الرد على ما يخطه قلمك من كلمات رائعة ..
فــ حقا مدوينتك بحــراً وامواجه عطاء ..
دمتى لنا ودام قلم ينقش اجمل الصور ..
وأنا مثلك على يقين ، أنك ستقطفين يوما نجمة من سماء حلب ، وسنفضين عن سرير جدك غبار الأيام ، وسيعترف لك الحاسدون أنهم كانوا مخطئن !!!
متأكد أنك لن تملي ... فعطائك تدفق لا ينقضي ... إلا أن تحلق الروح ... ويفنى الجسد .
شكرا لـ(حـلا)أن التي فاح بطلبها عطر الياسمين ...
حسّان
من الأردن

اكثر ما يشدني في كتاباتك انني ارى وجه الزمان والمكان معا..اعيش متنقلا بين يابسة الدفتر وبحر الحبر..
عندما ارى كلماتك ارجع من فوري لقاموس اللغة لعلي ارى من اين احضرت مثل هذه الكلمات..
حلا
عواطف
صاحب الظل الطويل
أشكركم على مروركم من هُنا
وأشكر كلماتكم الرائعة دوماً..
تحيّتي
حسّان..
بل شكراً للياسمين الذي هرَّ خجلاً بين يديك وكتبني على عَجَلٍ من ذاكرتي..
تمّام..
للقواميس كلمات لم تتسع في دفّاتها فآثرت المكوث خارج أسطرها الصفراء!!
تحيّتي
من لإمارات العربية المتحدة

أختي كلنا في العزاء سواء في الموت سواء ، غرباء تحت شمس واحدة وتحت قمر واحد، ننتعل رمال الصحراء المحرقة علها توقظ ذاكرتنا الخاملة لحب البلاد التي شهدنا طفولتها وضاعت منها طفولتنا ، غرباء عن كل شيء ، حتى عن أيدينا، نموت وتستيقظ تلك الجراح العزيزة ، لكن الأم أكبر من سعادة العالم ، كذب السعداء ولو صدقوا. حسن بشير
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










في كل مكان أجول فيه يتدفق معي سيل من الكلمات ، حتى أصل الى مدونتك فأفقد حاسة النطق و قدرة التعبير و المعرفة بحروف اللغة !
تزدادين موهبة مع الأيام لتبقي دائما مميزة .